فتح تنازل رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني عن الترشح لتشكيل الحكومة المقبلة، لصالح زعيم ائتلاف دولة القانون نوري المالكي، الباب أمام موجة واسعة من التكهنات داخل المشهد السياسي.
وتتركز تلك التكهنات حول طبيعة هذه الخطوة وحدودها الفعلية، وما إذا كانت تمثل انسحابًا حقيقيًا من السباق، أم مناورة محسوبة لإعادة ترتيب موازين القوى داخل الإطار التنسيقي.
وبحسب معطيات متقاطعة من داخل أروقة الإطار التنسيقي، فإن إعلان السوداني استعداده للتنازل لم يغلق باب المنافسة، إذ بدا وكأنه نقل المواجهة من تعدد الأسماء والسيناريوهات إلى معادلة ثنائية واضحة، قوامها المالكي أو السوداني، مع تحميل قوى الإطار تداعيات هذا الخيار.
ويؤكد مصدر سياسي، لـ"إرم نيوز"، أن "التفاهمات الأولية التي جرى تداولها خلال الأيام الماضية، تضمنت بحث تشكيل تحالف برلماني كبير داخل الإطار التنسيقي، قد يصل إلى نحو 80–85 نائبًا، يتولى المالكي رئاسته في حال تمرير ترشيحه، مقابل حصول ائتلاف الإعمار والتنمية على حصة وازنة داخل الحكومة المقبلة، تشمل ثلاث وزارات إحداها سيادية، إلى جانب مواقع تنفيذية مؤثرة في مكتب رئيس الوزراء".
وأوضح السياسي، الذي طلب حجب اسمه، أن "هذه التفاهمات لم تصل إلى مرحلة الاتفاق النهائي، بل وضعت ضمن إطار الخيار الأول، مع إبقاء خيار العودة للسوداني قائمًا في حال تعذر تمرير المالكي بسبب اعتراضات داخلية أو خارجية".
ويقرأ مراقبون هذا السلوك بوصفه محاولة من السوداني لاستدراج المالكي إلى المواجهة، وتحميله كلفة الرفض الشعبي المحتمل، والفيتو السياسي من أطراف وازنة، سواء داخل البيت الشيعي أو خارجه، بما يسمح له بالعودة لاحقًا بصفته الخيار الأقل سخطًا، ومرشح الضرورة في حال انسداد الأفق.
ويعزز هذا التقدير مؤشرات عدة، أبرزها أن بيان الإطار التنسيقي الأخير تجنب الإعلان الصريح عن اسم مرشح رئاسة الوزراء، مكتفيًا بلغة عامة عن "التقدم في الحوارات"، وهو ما فُسر على أنه انعكاس لحالة التردد والانقسام الداخلي، وعدم الرغبة في حسم ملف قد يفتح أبواب أزمة أوسع.
بدوره، قال عضو ائتلاف دولة القانون، وائل الركابي، إن "التفاهمات التي جرت خلال الاجتماعات الأخيرة لقادة الإطار التنسيقي لم تكن وليدة اجتماع واحد، بل جاءت بعد سلسلة جلسات أُبلغ خلالها كل من نوري المالكي ومحمد شياع السوداني بأنهما المرشحان الأقوى داخل الإطار لمنصب رئاسة الوزراء، وطلب منهما التفاهم في ما بينهما على آلية الحسم".
وأضاف الركابي، لـ"إرم نيوز"، أن "قادة الإطار اتفقوا على مبدأ واضح يقضي بأن يتنازل أحد الطرفين للآخر، ليبقى المرشح المتبقي هو خيار الإطار النهائي، وهو ما حصل فعليًا عندما أعلن السوداني تنازله خلال اجتماع يوم أمس، قبل أن يصدر لاحقًا نفي، الأمر الذي أكد وجود هذا التنازل داخل أروقة الإطار".
وأشار إلى أن "طرح مسألة رأي المرجعية الدينية لا يُعد عائقًا أمام هذا التوافق، إذ إن المرجعية سبق أن أكدت مرارًا أنها لا تتدخل في اختيار رؤساء الحكومات".
وينذر تقارب المالكي – السوداني بتصدعات خطيرة داخل الإطار التنسيقي، الذي فوجئ بتحركات الرجلين المتسارعة، ولم يكن مهيأً للتعامل مع هذا المستوى من التفاهمات، في ظل وضع داخلي مرتبك، وتوترات إقليمية متصاعدة، ما يضع التحالف أمام اختبار غير مسبوق قد يفضي إلى إعادة رسم موازين القوى داخله.
ويؤكد أنصار نوري المالكي أن عودته المحتملة إلى رئاسة الحكومة لا تواجه معارضة حاسمة داخلية أو خارجية، بحسب تقديرهم، فيما لم يصدر حتى الآن موقف صريح من التيار الصدري يعلن رفضه لهذا الخيار.
كما يرون أن الاعتراضات التي تثار من بعض القوى السنية والكردية لا ترقى إلى مستوى الفيتو السياسي، بل تندرج في إطار التحفظات القابلة للتفاوض ضمن تسويات أوسع.
وذهب كثيرون إلى ترجيح أن يشكل نوري المالكي خيارًا مقبولًا، أو على الأقل قابلًا للتعاطي، بالنسبة لكل من طهران وواشنطن في آن واحد، انطلاقًا من قدرته على إدارة التوازنات بين الطرفين، ففي حين تسعى الولايات المتحدة إلى دفع الحكومة العراقية المقبلة نحو إنهاء ملف الميليشيات المسلحة، يرى مراقبون أن تقديم المالكي تعهدات سياسية واضحة بهذا الاتجاه قد يفتح الباب أمام موقف أمريكي أقل تشددًا، أو يدفع باتجاه عدم عرقلة مسار تكليفه.
في المقابل، تحتفظ طهران بعلاقات تاريخية مع المالكي، وتتعامل معه بوصفه شخصية مألوفة داخل معادلة الحكم العراقي، ما يجعل اسمه، وفق هذه القراءات، أقل إرباكًا للمصالح الإيرانية مقارنة بخيارات أخرى قد تحمل توجهات أكثر غموضًا.