أضحى رئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي الاسم الأكثر تداولًا داخل كواليس الإطار التنسيقي لتولي رئاسة وزراء العراق، بعد تضارب الأنباء بشأن انسحاب رئيس الحكومة الحالي محمد شياع السوداني من سباق الولاية المقبلة، في مشهد أعاد إلى الواجهة واحدة من أكثر الشخصيات جدلًا في تاريخ الحكم بعد عام 2003.
وخلال الساعات الماضية، تسارعت التسريبات حول تنازل السوداني عن الترشح لصالح المالكي، خصوصًا بعد تصريح النائب عن ائتلاف دولة القانون عثمان الشيباني الذي أكد أن "الإطار التنسيقي يرشح نوري المالكي لمنصب رئاسة الوزراء".
لكن هذه الأنباء سرعان ما قوبلت بتشكيك من أطراف داخل تحالف “الإعمار والتنمية”، إذ نفت قيادات مقربة من السوداني صحة الحديث عن أي تنازل رسمي، معتبرة أن ما يجري لا يتعدى كونه تسريبات غير مكتملة.
غير أن تغريدة القيادي في التحالف مشرق الفريجي أعادت خلط الأوراق، حين ألمح إلى وجود تنازل مشروط، مشيرًا إلى أن “تقديم المالكي لرئاسة الوزراء من قبل الإعمار والتنمية، مشروط بتوافق الإطار التنسيقي، وعدم وجود اعتراض من المرجعية الدينية العليا، إلى جانب دراسة الموقف الدولي قبل حسم الترشيح”، ما عزز الانطباع بوجود تفاهمات غير معلنة تُدار بعيدًا عن البيانات الرسمية.
وعلى الرغم من الأجواء الإيجابية التي حاول بيان الإطار التنسيقي الأخير عكسها، عقب اجتماعه الدوري مساء السبت، إلا أن الخلافات الجوهرية بشأن شخصية رئيس الوزراء لا تزال قائمة، وهو ما انعكس في غياب أي إعلان صريح يؤكد الاتفاق النهائي، مقابل شروع المالكي بتلقي التهاني من أنصاره، في مشهد يوحي بقرار سياسي لم يخرج بعد إلى العلن.
وبرغم الحديث عن ترشح المالكي، إلا أن الأخير يواجه سلسلة عقبات قد تحول دون تسلمه المنصب، ففي عام 2014 رفض المرجع الديني الأعلى آية الله علي السيستاني، تمرير المالكي لولاية ثالثة، بعد تحميل حكومته مسؤولية الإخفاقات الأمنية، وعلى رأسها انهيار القوات الأمنية أمام تنظيم داعش، وهو موقف ترك أثرًا عميقًا في مسار علاقته بالمشهد السياسي.
كما أن سجل المالكي في علاقته مع التيار الصدري لا يزال حاضرًا بقوة، في ظل صدامات عسكرية وسياسية سابقة ما يجعل عودته المحتملة موضع تحفظ لدى جمهور التيار، حتى في ظل غيابه الحالي عن العملية السياسية.
وفي هذا السياق، قال عضو ائتلاف دولة القانون عمران الكركوشي لـ"إرم نيوز" إن “إصرار المالكي على الترشح قد يكون نابعًا من شعوره بمسؤولية تجاه النظام السياسي، الذي يمر بتصدعات حقيقية تحتاج إلى إعادة صياغة عميقة”، مشيرًا إلى أن “التجربة أثبتت أن التوافق بات العامل الحاسم، لكنه في الوقت نفسه ساهم في تفكيك القواعد الأولى التي قام عليها النظام السياسي”.
وأضاف أن المالكي “يمتلك الخبرة والإمكانات والتنظيم الحزبي، ما يجعله متقدمًا على غيره من حيث القدرة على إدارة المرحلة”، لافتًا إلى أن “هناك تفاهمًا داخل الإطار، وأن ما جرى مع السوداني يأتي في سياق أجواء حزب الدعوة”.
ويبدي جزء واسع من القوى السنية تحفظات واضحة، تعود إلى سياسات وقرارات اتهمت بتكريس الطائفية خلال فترات حكم سابقة، وهو ما يضع أي عودة للمالكي أمام اختبار القبول الوطني، لا الشيعي فقط.
من جهته، يرى الباحث في الشأن السياسي أثير الشرع أن "المشهد لا يزال مفتوحًا على أكثر من سيناريو"، مشيرًا إلى أن "المالكي بات حاليًا صاحب الحظ الأوفر بعد تراجع فرص مرشحين آخرين، لكن ذلك لا يعني حسم الأمر".
وأكد في حديث لـ"إرم نيوز" أن "تحفظات القوى السنية والكردية لا تزال قائمة، وأن المرجعية الدينية اختارت النأي بنفسها عن التدخل المباشر، مكتفية بإشارات عامة تتعلق بضرورة أن يكون رئيس الحكومة قادرًا على إنصاف المواطنين وإدارة الدولة بعدالة".

وفي موازاة ذلك، كشف مصدر سياسي عن وجود اتفاق داخلي غير معلن، يقضي بأن يعلن المالكي ترشحه رسميًا في هذه المرحلة، على أن يتنازل لاحقًا لشخصية أخرى، سواء لصالح السوداني أو اسم توافقي مختلف، بعد إحداث "صدمة سياسية" داخل الأوساط المحلية وحتى الإقليمية بهدف قبول المرشح الجديد، وفق تعبيره.
وأوضح المصدر، الذي طلب عدم ذكر اسمه، لـ"إرم نيوز" أن "هذا الطرح جاء بعد مشاورات إيرانية، ركزت على ضرورة تحقيق توازن داخلي وعدم الذهاب إلى مواجهة مفتوحة داخل الإطار"، مشيرًا إلى أن "المالكي استحصل ضمانات وتعهدات من السوداني خلال اللقاءات الأخيرة التي عقدت بين الجانبين".
وبرغم ذلك يرى مختصون أن عودة المالكي إلى رئاسة الوزراء سيناريو قائم، لكنه محفوف بتعقيدات كبيرة، قد تعيد رسم خريطة السلطة من جديد، أو تفتح الباب أمام مرشح تسوية جديد ينهي الصراع مؤقتًا.