مع تصاعد الاحتقان الشعبي في جنوب اليمن، يعود رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي إلى واجهة الجدل السياسي، بوصفه عنوانا لأزمة متنامية تعكس تطورا مقلقا يحوّل السلطة التنفيذية العليا من الصيغة القيادية الجماعية التي أسست عليها، إلى نمط أقرب للتفرد بالقرار.
على مدى الأسابيع الماضية، أصدر العليمي حزمة من القرارات ذات الطابع السيادي، والمرتبطة بالتطورات الأمنية والسياسية في الجنوب، ما وُصف بأنها "تجاوزت الإطار الناظم لصلاحيات مجلس القيادة الرئاسي، تفتقر إلى الحد الأدنى من التوافق بين أعضائه، في مخالفة لمبدأ الشراكة الذي قام عليه المجلس، وتصادم مباشر مع لوائحه الداخلية وآليات اتخاذ القرار فيه".
وفي خطوة أثارت ردود فعل واسعة، أسقط رئيس المجلس عضوية عيدروس الزبيدي من مجلس القيادة الرئاسي، وأعفى وزيرين محسوبين على المجلس الانتقالي الجنوبي، وسط تلويحات باتخاذ إجراءات مماثلة بحق عضو الرئاسي، فرج البحسني، وهو ما اعتبره مراقبون "مسارا انتقاميا يستهدف تمثيل الجنوب داخل بنية شرعية".
ومع توسّع دائرة القرارات الأحادية، وتآكل صيغة القيادة الجماعية، تتعاظم المخاوف من إعادة إنتاج نموذج الحكم الفردي تحت غطاء المرحلة الانتقالية؛ ما يفتح الباب أمام تساؤلات جدّية حول مستقبل مجلس القيادة الرئاسي، وقدرته على الاستمرار كمرجعية توافقية جامعة، في ظل اتهامات متزايدة بتفريغه من جوهرة السياسي والقانوني.
وفي هذا السياق، قال المتحدث الرسمي باسم المجلس الانتقالي الجنوبي، أنور التميمي، إن قرارات العليمي الأخيرة "تتناقض كليا مع إعلان نقل السلطة، وتنسف مبدأ التوافق والصيغة الجامعة التي أنشئ على أساسها مجلس القيادة الرئاسي".
وأوضح التميمي، في تصريح لـ"إرم نيوز"، أن هذه الإجراءات صدرت دون دعوة أعضاء المجلس الرئاسي للاجتماع والتباحث بشأنها أو التوافق أو التصويت عليها، في مخالفة جسيمة تسقط عنها صفتها الشرعية وتحولها إلى إجراءات انفرادية لا تستند إلى أي أساس قانوني.
وأشار إلى أن مهام مجلس القيادة تقتصر على إدارة شؤون المرحلة الانتقالية بصورة جماعية، ولا تخوّل رئيسه إسقاط عضوية أي من أعضائه أو إعفائهم، لافتا إلى أن المجلس تشكّل ضمن جهد إقليمي ودولي جامع، ونتيجة توافقات محلية بين القوى الفاعلة على الأرض؛ "وهو ما يجعل أي تعديل في تركيبته مرهونا بالآلية ذاتها التي أنشئ بموجبها".
وأضاف أن تمثيل الأعضاء في المجلس لا يرتبط بأشخاصهم، بل بما يحملونه من مشاريع وما يمثلونه من ثقل شعبي وعسكري في جغرافيا متعدد من اليمن، محذرا من أن ضرب هذا التوازن يهدد بانهيار الصيغة التوافقية برمتها.
وقال التميمي، إنه كان بإمكان الرعاة الإقليميين الدفع نحو مسار أقل تصادمية، عبر الدعوة إلى حوار جديد لتقييم أداء مجلس القيادة، وبناء عليه يمكن تعطيل صيغته الحالية واستبدالها بالقيادة الفردية بدلا عن الجماعية، لجعل سلطة القرار في أيدي رئيس واحد يتحمّل مسؤولية إجراءاته وتبعاتها السياسية والأمنية.
وأكد أن المجلس الانتقالي سيتجه للطعن في قانونية هذه القرارات، إلى جانب عمله على إعداد ملفات متكاملة لمخاطبة الإقليم بشأن ما وصفه بـ"التجاوزات الخطيرة"، مشيرا إلى أن التظاهرات الواسعة التي شهدتها عدن وسقطرى ولحج وغيرها، تعدّ رفضا لهذه الإجراءات وطعنا في شرعية العليمي وردا مباشرا على مسار تفرّده بالسلطة.
وعقب المشاورات اليمنية – اليمنية في الرياض بأبريل 2022، أنشئ مجلس القيادة الرئاسي، بموجب إعلان نقل السلطة الصادر عن الرئيس السابق عبدربه منصور هادي، الذي فوّض صلاحياته إلى هيئة قيادية جماعية مكوّنة من ثمانية أعضاء، بهدف توحيد القوى المناهضة للحوثيين، وإدارة مرحلة انتقالية تقود إلى تسوية شاملة.
وينص إعلان نقل السلطة صراحة على اعتماد مبدأ القيادة الجماعية، واتخاذ القرارات بالتوافق، أو بالأغلبية عند تعذّر ذلك، مع حصر دور رئيس المجلس في تنسيق وتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه، دون منحه صلاحيات التفرد بالقرارات السيادية.
غير أن المجلس، ومنذ تأسيسه، واجه اختلالات بنيوية ناتجة عن تباين مشاريع مكوناته، وتناقض أولوياتها؛ ما انعكس توترات سياسية وأمنية، كشفت هشاشة بنيته، وعجزه عن العمل كجسم متماسك.
ويرى رئيس "منتدى باريس للسلام والتنمية" جمال العواضي، إن ما يجري اليوم في اليمن، لم يعد مجرد خلاف سياسي داخل مجلس القيادة، بل تطوّر إلى أزمة بنيوية عميقة تمسّ جوهر الشرعية والسيادة الوطنية في آن واحد.
وقال العواضي لـ"إرم نيوز"، إن اختلال مبدأ الشراكة داخل المجلس الرئاسي، أفرغه عمليا من مضمونه كهيئة جماعية، وحوّل القرارين السياسي والعسكري إلى قرار أحادي يُدار من الخارج بأدوات يمنية، وهو ما يترك انعكاسات خطيرة على مستقبل الدولة.
وذكرا أن المجلس من الناحية السياسية، بات عاجزا عن تمثيل الإدارة الوطنية أو اتخاذ قرارات مستقلة، في ظل غياب التوازن والشراكة الحقيقية بين مكوّناته، وتحويل أعضائه إلى منفّذين لسياسات تُفرض من خارج السياق الوطني.
وعلى الصعيدين القانوني والسيادي، تساءل العواضي عن مشروعية استمرار إدارة ما يُسمى بالشرعية من خارج الأراضي اليمنية، معتبرا أنها وفق أي معيار دستوري أو قانوني "لا يمكن أن تستمر في المنفى إلى أجل غير مسمى، ولا أن تمارس سلطاتها وهي خاضعة لإملاءات تمس جوهر السيادة".
وحذر من التحكّم بالقرارين العسكري والأمني، واستخدام الحرب ومعاناة الناس كأداة ضغط؛ ما يعكس، حسب وصفه، "واقعا يتجاوز مفهوم التدخّل إلى نمط من السيطرة الكاملة على الدولة اليمنية".
من جهته، يعتقد المحلل السياسي، هاني مسهور، أن جوهر الإشكال القائم لا يتعلق بشخص رشاد العليمي، بقدر ما يرتبط بمحاولة خطيرة لإعادة إنتاج منطق السلطة الفردية وشرعنته تحت مسمّى "المرحلة الانتقالية".
وقال إن العليمي رئيس مجلس رئاسي جماعي، وليس رئيس دولة، معتبرا تجاوز هذا التوصيف ليس مجرد خطأ لغوي عابر، بل هو أيضا "انزلاق سياسي وقانوني يفتح الباب أمام تفريغ صيغة نقل السلطة من مضمونها".
وأضاف أن استخدام توصيفات سيادية فردية، من قبيل "رئيس الجمهورية، والقائد الأعلى"، يعدّ توسعا غير مشروع في الصلاحيات، وتأسيس لسوابق قد تُستدعى لاحقا لتبرير مزيد من القرارات الأحادية.
وأشار مسهور، إلى أن تمرير هذا المسار تحت ذريعة "هيبة الدولة" ونحوه، يعكس عقلية استبدادية قديمة، أثبتت فشلها في تاريخ اليمن، مؤكدا أن الخطر الحقيقي لا يكمن في النقد، "بل في تطبيع الوصاية الخارجية وإرباك المراكز القانونية وتحويل التفرد بالحكم إلى أمر واقع تحت غطاء التمثيل".