أعاد غياب زعيم ائتلاف دولة القانون نوري المالكي عن اجتماع الإطار التنسيقي الأخير طرح تساؤلات جديدة بشأن مصير ترشيحه لرئاسة الحكومة في العراق.
جاء ذلك، في ظل مشهد سياسي مرتبك تتقاطع فيه التصعيدات الإقليمية مع تعقيدات الداخل العراقي.
ودخل العراق في أزمة سياسية خانقة منذ نحو شهرين، عقب إعلان الإطار التنسيقي ترشيح نوري المالكي لرئاسة الحكومة، وهو ما فجّر خلافات حادة داخل التحالف ذاته، بالتزامن مع رفض أمريكي واضح، قبل أن تأتي الحرب الإقليمية لتضاعف منسوب التوتر والقلق، وتدفع المشهد نحو مزيد من التعقيد والتوجس.
ويأتي ذلك في وقت أخفق فيه الإطار التنسيقي مجددًا في حسم اسم رئيس الوزراء المقبل، رغم وصف الاجتماع الأخير الذي عُقد مساء الأربعاء بـ"الحاسم"، وسط استمرار الانقسام الداخلي وتزايد الضغوط المرتبطة بالعامل الخارجي، خصوصًا في ظل مخاوف من تداعيات اقتصادية وسياسية قد تطال العراق في حال المضي بمرشح مثير للجدل.
وفي هذا السياق، قال الباحث في الشأن السياسي علي السامرائي إن "دلالات الحضور والغياب داخل اجتماعات الإطار باتت مرتبطة إلى حد كبير بأجواء الحرب، وقصف واغتيال قادة الفصائل، حتى وإن جرى ذلك تحت غطاء سياسي".
وأضاف السامرائي لـ"إرم نيوز"، أن "تخلي آخر داعم داخل الإطار عن ترشيح المالكي يجعل من غير الواقعي الحديث عن فرص جديدة لعودته إلى رئاسة الوزراء، خصوصًا مع ترحيل الحسم بانتظار ما ستسفر عنه مجريات الحرب، وهو ما يمثل تجاوزًا عمليًا للمدد الدستورية، وقد يفتح الباب أمام سيناريوهات غير تقليدية، بينها الذهاب إلى انتخابات جديدة أو التكيف مع نتائج الصراع الإقليمي".
وبحسب معطيات المشهد السياسي، فإن معركة ترشيح المالكي لم تعد شأنًا داخليًا محصورًا بتوازنات الإطار التنسيقي، بل تحولت إلى اختبار مركب يتعلق بموقع العراق في معادلة الصراع بين واشنطن وطهران، في ظل تصاعد الضغوط الأمريكية لمنع عودته إلى السلطة.
وتشير تقديرات سياسية إلى أن المخاوف لا ترتبط فقط بشخص المرشح، بل بما قد يترتب على اختياره من انعكاسات على العلاقات الخارجية، لا سيما مع الولايات المتحدة، التي تمتلك أدوات ضغط مالية واقتصادية مؤثرة، في ظل اعتماد العراق الكبير على عائدات النفط المرتبطة بالنظام المالي العالمي.
وفي هذا الإطار، قال سياسي مقرب من الإطار التنسيقي، رفض الكشف عن اسمه، إن "الحديث داخل التحالف تغيّر بشكل واضح خلال الأيام الأخيرة، ولم يعد النقاش يدور حول تثبيت المالكي بقدر ما يتركز على كيفية الخروج من ترشيحه بأقل الخسائر السياسية".
وأضاف لـ"إرم نيوز" أن "بعض القوى باتت ترى أن الإصرار على المالكي في هذا التوقيت قد يضع العراق في مواجهة ضغوط دولية معقدة، لذلك يجري البحث عن مخرج داخلي يحفظ تماسك الإطار دون إظهار التراجع كاستجابة لإملاءات خارجية".
ويؤشر هذا التوجه إلى حالة من "الترحيل السياسي" لملف رئاسة الوزراء، إذ تتجه القوى الفاعلة إلى تأجيل الحسم بانتظار اتضاح مسار الحرب الدائرة في المنطقة، وما قد تفرضه من تغييرات على موازين القوى، سواء داخليًا أو على مستوى العلاقة مع القوى الدولية.
كما أن استمرار الغموض في هذا الملف يضع العملية السياسية أمام اختبار دستوري، في ظل تجاوز المدد الزمنية المحددة لتشكيل الحكومة، وهو ما يثير تساؤلات بشأن شرعية التأخير وإمكانية اللجوء إلى خيارات بديلة، بينها إعادة الانتخابات أو فرض تسوية سياسية جديدة.
وبينما تتعدد القراءات بشأن مصير ترشيح المالكي، تتقاطع معظم التقديرات عند نقطة أساسية مفادها أن كلفة الإصرار على ترشيحه قد تكون أعلى من كلفة التراجع عنه، في ظل هشاشة الوضع الاقتصادي واعتماد البلاد على تدفقات مالية خارجية.
وفي المقابل، يرى مراقبون أن خيار سحب الترشيح لا يمكن أن يكون بلا تداعيات، إذ قد يفتح الباب أمام إعادة تشكيل موازين القوى داخل الإطار التنسيقي، وربما إعادة تعريف آليات اتخاذ القرار داخله، بعيدًا عن منطق "الزعامة التقليدية" نحو مقاربات أكثر براغماتية.