يقف لبنان اليوم أمام مسارين متناقضين: إما الدبلوماسية أو الاستنزاف، في ظل خيارات فرضتها ظروف قاهرة وحربٌ أشعلها حزب الله، دفعت البلاد نحو المجهول، وسط تعثّر المبادرات السياسية، وبكلفة تفوق قدرة لبنان على التحمّل.
ويرى محللون أن الخطر ليس من الحرب نفسها بقدر ما هو فرض تسويات قسرية تجبر لبنان على قبول واقع يتركه مثقلاً بالخسائر، دون معالجة سلاح حزب الله أو تعطيل أي حلول تنقذ البلاد.
ووفق هذه المعطيات، يبدو أن مستقبل لبنان سيتحدد بين قدرة الأطراف الفاعلة على وضع حد لهذه الحرب أو الدخول في مرحلة استنزاف طويلة ستزيد من تعميق الأزمات الموجودة أساساً وبدأت تتفاقم.
وفي هذا السياق، قال الكاتب السياسي والأكاديمي ناصر زيدان إن حزب الله، الذي شارك في الحرب إلى جانب إيران منذ بداياتها؛ رفض المبادرة الدبلوماسية التي أطلقها رئيس الجمهورية جوزيف عون لتجنيب لبنان الويلات، في وقت استباحت فيه إسرائيل كل شيء، وطال عدوانها المدنيين والبنى التحتية في الجنوب والبقاع الغربي.
وأضاف زيدان لـ"إرم نيوز" أن الدبلوماسية تبدو مسموحة في الخارج بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، لكنها ممنوعة في لبنان، مشيراً إلى أن الحزب عطّل المبادرات الحوارية، فيما لا تبدو إسرائيل راغبة في السلام، إذ تتطلع إلى عقد صفقة مع "المحور" وليس مع لبنان بمفرده، لافتاً إلى أن فريقي الحرب أجهضا المساعي السلمية، ولاسيما الحراكين الفرنسي والمصري.
وأوضح أنه وبعد مضي 5 أسابيع على الحرب، يظهر أن لبنان وأهله هم الخاسر الأكبر، رغم أن ما يتردد من معلومات حول نهاية محتملة للحرب، وهو مطلب محلي وعربي ودولي جامع، فإن المخاوف تتزايد من أن يتفق أطراف الصراع على تثبيت معادلة "رابح-رابح"، فيما ينتقل لبنان من خسارة في الحرب إلى خسارة في السلام، أو في حالة اللاحرب، مع احتمال غضّ القوى الدولية الطرف عن بقاء السلاح خارج الشرعية، خصوصاً في الجنوب، ما قد يضع لبنان أمام معادلة تقوّض مسار الدولة، وتعيد خطة التعافي إلى الوراء.
وأشار إلى أن غالبية اللبنانيين يرون أن الوقت حان للعودة إلى تطبيق اتفاقية الهدنة لعام 1949، والتي يمكن بموجبها حفظ الأمن والاستقرار على جانبي الحدود، وبضمانة المجتمع الدولي.
وبيّن أن الدولة اللبنانية ليست شريكة في الحرب ولم تكن تريدها، كما أنها ليست شريكة في أي مساعٍ دبلوماسية خارجية لإنهائها على المستوى الإقليمي، ما يجعل فرضية دفع لبنان الثمن في الحرب وفي التسوية، خياراً قائماً.
واختتم زيدان حديثه بالإشارة إلى أن جوائز الترضية التي قد تُمنح للمشاركين فيها، ستكون على حساب الدولة اللبنانية، ولن تفيد الشعب اللبناني، إلا إذا عاد المغامرون إلى رشدهم وأدركوا أن الدولة هي صاحبة قرار الحرب والسلم، مدعومة بالشرعيتين العربية والدولية في مواجهة أي عدوان إسرائيلي، عندها يمكن تجنيبها الخسارة.
ومن جانبه، قال المحلل السياسي، علي حمادة إن الدبلوماسية في لبنان مؤجلة، وإذا لم تتوقف الأعمال القتالية فقد تبقى كذلك لفترة طويلة حتى انتهاء العمليات العسكرية بالكامل.
وأضاف حمادة لـ"إرم نيوز" أن الأهم هو وقف العمليات العسكرية، وأن يبادر حزب الله إلى وقف إطلاق النار والإعلان عن ذلك، على أن تتولى بعد ذلك الولايات المتحدة وفرنسا ودول أخرى معالجة مسألة التفاوض.
وأوضح أن أي توجه نحو التفاوض يجب أن يكون تفاوضاً هادفاً وليس لكسب الوقت أو لإتاحة المجال أمام الحزب لإعادة بناء قدراته العسكرية، مشيراً إلى أن الهدف الرئيسي يتمثل في تسليم حزب الله سلاحه للدولة اللبنانية، بحرب أو دونها، مؤكداً أنه لا يمكن القبول باستمرار سلاحه في أي حال من الأحوال.
وأشار إلى أن تحقيق ذلك لن يكون ممكناً إلا إذا صدرت الأوامر للحزب بالتخلي عن سلاحه من طهران، موضحاً أنه في حال تعذر ذلك، فإن القتال قد يستمر عبر الحرب كما هو حاصل اليوم أو من خلال سلسلة ضربات إسرائيلية متواصلة تستهدف الحزب ولبنان، ما قد يؤدي إلى استنزاف كبير لقدرات البلاد واقتصادها ووضعها السياسي إضافة إلى تفاقم أزمة النزوح.
واختتم حمادة حديثه بالتأكيد على أن الدبلوماسية تمثل مطلب غالبية اللبنانيين باستثناء حزب الله، إلا أنها لن تحقق أي تقدم قبل وقف إطلاق النار.