أثار منشور للصحفي الأمريكي جوناثان لارسن على منصته في "سبستاك"، حول جنود أمريكيون أُبلغوا أن الحرب على إيران جزء من "خطة الله" وأنها تمهّد لـ"هرمجدون" جدلا واسعا في الأوساط العسكرية بالولايات المتحدة.
وبحسب ما نقل لارسن، فإن مؤسسة الحرية الدينية العسكرية (MRFF) تلقت أكثر من 110 شكاوى من عسكريين في ما لا يقل عن 30 قاعدة ومنشأة عسكرية، أفادوا فيها بأن قادة ميدانيين تحدثوا عن الحرب بوصفها "مُجازة دينياً" ومرتبطة بنبوءات نهاية الزمان المسيحية.
المنشور أشار إلى أن بعض القادة وصفوا دونالد ترامب بأنه "مختار من قبل المسيح لإشعال شرارة الحرب في إيران"، في خطاب يتجاوز التبرير السياسي التقليدي إلى إطار عقائدي آخروي.
تكمن أهمية المنشور في أنه يسلط الضوء على ظاهرة أوسع، تقوم على توظيف لغة دينية في توصيف الحرب، سواء على مستوى أفراد داخل المؤسسة العسكرية أو في الخطاب السياسي العام. وهنا يصبح السؤال أكبر من واقعة محددة: هل نحن أمام حرب تُغلف بخطاب ديني من أطرافها الثلاثة؟
في الجانب الإسرائيلي، لا يُطرح الأمر بصيغة "هرمجدون"، لكنه يُقدَّم ضمن إطار وجودي - تاريخي. رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو استخدم في خطاباته تعبيرات من قبيل "إزالة تهديد وجودي" و"معركة من أجل بقاء الشعب اليهودي".
كما أن بعض وسائل الإعلام الإسرائيلية ربطت توقيت الضربات الإيرانية بمناسبة عيد "بوريم"، الذي يستحضر في الذاكرة الدينية اليهودية مواجهة تاريخية مع تهديد فارسي. هذا الربط لا يعني أن قرار الحرب ديني بحت، لكنه يمنح المواجهة بُعداً رمزياً يتجاوز الحسابات العسكرية.
أما في إيران، فالبعد الديني أكثر مباشرة. فالنظام الإيراني بطبيعته يربط السياسة بالعقيدة، وقيادته تستمد شرعيتها من مفهوم "الولاية" الدينية. وقد صدرت خلال الأيام الماضية تصريحات وفتاوى من مراجع دينية تدعو إلى "الجهاد" في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل، ما يحول الحرب إلى واجب ديني في الخطاب التعبوي الداخلي. هنا يصبح القتال ليس فقط دفاعاً عن الدولة، بل دفاعاً عن العقيدة.
النتيجة، لدينا ثلاث روايات، بثلاث لغات دينية مختلفة: في الولايات المتحدة، وفق ما نقله لارسن، يظهر خطاب أخروي لدى بعض القادة يربط الحرب بنبوءة نهاية الزمان. وفي إسرائيل، تُقدَّم الحرب كمعركة وجودية ذات جذور تاريخية دينية. أما في إيران، فتُؤطر المواجهة ضمن مفهوم الجهاد والدفاع عن الأمة.
الخطر لا يكمن في وجود الدين في المجال العام، بل في تحوله إلى أداة لتقديس الصراع، فحين تُقدَّم الحرب بوصفها "مشيئة إلهية"، تضيق مساحة التسوية السياسية. ويصبح التراجع خيانة للعقيدة، لا مجرد تعديل في التكتيك. وحين يُصوَّر الخصم باعتباره عدواً وجودياً أو تجسيداً للشر، يصبح التصعيد بلا سقف أمراً أكثر احتمالاً.
العديد من المنظرين والباحثين حذروا من "تديين الحرب". الباحث الأمريكي أندرو باكفيتش تحدث مراراً عن خطورة إدخال سرديات خلاصية في قرارات الحرب. وفي السياق الإسرائيلي، كتب مؤرخون مثل زئيف شتيرنهيل عن مخاطر تماهي الدين بالقومية في لحظات الصراع. أما في الحالة الإيرانية، فالدولة نفسها مؤسسة على مرجعية دينية، ما يجعل الفصل بين السياسي واللاهوتي أكثر تعقيداً.
الكاتب سيف دويدار أشار في قراءة تحليلية إلى أن توصيف النظام الإيراني لأمريكا بـ"الشيطان الأكبر" لم يكن مجرد شعار دعائي، بل تحوّل إلى ركيزة أيديولوجية تُعرّف هوية النظام الإيراني في مواجهة "المستكبرين"، ما يمنح الصراع بعداً أخلاقياً - دينياً دائماً، يتجاوز الظرف السياسي.
من جهته، كتب المفكر فهمي هويدي أن استدعاء ثنائية "المستضعفين والمستكبرين" يحمّل الصراع طابعاً أخلاقياً مطلقاً، لكنه يفقد معناه عندما يتحول إلى أداة سياسية لتبرير كل الخيارات، بما فيها الحرب المفتوحة. بمعنى آخر، يصبح الدين إطاراً تعبوياً أكثر منه معياراً أخلاقياً.
الباحث والكاتب السوري مازن بلال يرى في تعليق لـ "إرم نيوز" أن أخطر ما في الحروب المغلّفة دينياً ليس في النصوص نفسها، بل في طريقة توظيفها. فحين تُستدعى النبوءات أو مفاهيم الجهاد أو "التهديد الوجودي"، يجري نقل الحرب من مستوى المصالح إلى مستوى العقائد، ومن قابلية التسوية إلى منطق الإلغاء.
ويشير بلال إلى أن هذا النوع من الخطاب يعقّد أي نهاية محتملة للصراع، لأن كل طرف يصبح مطالباً بـ"نصر رمزي" يحفظ صورة التكليف الإلهي أمام جمهوره. والأسوأ أن تغليف الحرب دينياً لا يضاعف فقط من حدّة المواجهة العسكرية، بل يزرع بذور أحقاد عابرة للحدود بين أتباع الأديان أنفسهم، بما قد يمتد أثره لأجيال.
وفقا لبلال، تحضر المصالح الجيوسياسية، وحسابات الردع، وأمن الطاقة، بقوة في هذه الحرب. لكن ما يظهر بوضوح أيضا أن الأطراف الثلاثة المنخرطة فيها تستخدم، بدرجات متفاوتة، لغة دينية تمنح الحرب بعداً أخلاقياً مطلقاً.
ويختم بأن الفرق بين حرب سياسية وحرب مقدسة أن الأولى يمكن أن تنتهي باتفاق، أما الثانية فتحتاج إلى "خلاص"، مشيرا إلى أنه كلما ارتفع منسوب الخطاب الأخروي، اقترب العالم خطوة إضافية من حافة الهاوية، لأن من يقاتل باسم السماء نادراً ما يعترف بحدود الأرض.