كشفت مصادر سياسية عراقية مطلعة لـ"إرم نيوز" أن قادة في "الإطار التنسيقي" تلقّوا خلال الأيام الماضية رسالة أمريكية خطية غير معلنة، سبقت منشور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على "تروث سوشيال"، وتتضمن تحذيرا مباشرا من "كلفة" إعادة نوري المالكي إلى رئاسة الحكومة، بما في ذلك تقييد التعاون والدعم المالي، قبل أن تنتقل الرسالة إلى العلن بتصعيد غير مسبوق على مستوى خطاب الرئيس ترامب.
وبحسب المصادر، فإن الانتقال من "رسائل خلفية" إلى موقف علني أحدث ارتباكا داخل البيت السياسي الشيعي، وفتح أزمة جديدة في مسار تشكيل الحكومة، خاصةً مع تعثر جلسة انتخاب رئيس الجمهورية بسبب غياب النصاب؛ ما أبقى البلاد عمليا في مساحة حكومة تصريف أعمال وتنازع سياسي مفتوح.
انقسام داخل الإطار.. تثبيت المالكي أم "خطة بديلة"
مصادر داخل الإطار قالت إن الاجتماعات لم تعد محصورة بـ"اللقاء الموسع" الذي كان مقررا عقده في منزل المالكي، بل بدأت بسلسلة لقاءات ثنائية وتشاورات متسارعة لصياغة ردّ موحد ومحاولة احتواء التداعيات.
لكن التشاورات، وفق المصادر، كشفت عن انقسام واضح بين فريق يدفع باتجاه تثبيت المالكي كخيار "سيادي" ورفض ما يصفه بـ"الابتزاز"، وفريق يفضل فتح الباب لمرشح بديل لتجنب تصعيد خارجي قد ينعكس على الاقتصاد والبيئة الداخلية.
هذا الانقسام لا يرتبط بالاسم فقط، بل بطريقة إدارة الأزمة؛ هل تُخاض "معركة سيادة" عالية السقف مع واشنطن، أم تُدار تسوية داخلية هادئة تمنع انتقال العراق إلى ساحة مواجهة مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران في لحظة إقليمية حساسة.
ترامب.. تهديدات تخرج إلى العلن
في منشوره، هاجم ترامب تجربة المالكي السابقة واعتبر أن عودته "لا ينبغي السماح بها"، ملوّحا بأن واشنطن ستوقف دعمها للعراق إذا عاد إلى رئاسة الحكومة.
مصادر سياسية في بغداد ترى أن خطورة الموقف ليست في "اللغة الحادة" فقط، بل في ما يمكن أن يتبعها عمليا من عقوبات، وتشديد على مسارات الدولار، أو إعادة تعريف مستوى التعاون مع الحكومة المقبلة.
ويأتي ذلك بعد أن لمّحت الإدارة الأمريكية إلى امتلاك أدوات ضغط مرتبطة بالمالية والنفط؛ ما يرفع مستوى القلق داخل أوساط عراقية تخشى انعكاسات اقتصادية مباشرة.
في المقابل، ردّ المالكي علنا برفض "التدخل" واعتبره مساسا بالسيادة، مؤكدا أنه مستمر في ترشحه.
تشكيل الحكومة .. في حلقة مفرغة
تعطّل جلسة انتخاب رئيس الجمهورية بسبب عدم اكتمال النصاب، وضع تشكيل الحكومة في حلقة مفرغة، لا رئيس منتخب، لا تكليف دستوريا جديد، واستمرار حكومة تصريف أعمال وسط أزمة سياسية تتغذى من التصعيد الأمريكي.
وفقا للمصادر، فإن انسحاب رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني سابقا من السباق داخل الإطار، فتح الطريق أمام المالكي، لكن الأزمة الحالية قد تعيد خلط الأوراق من جديد وتعيد "فكرة المرشح الثالث" إلى الواجهة، أو حتى إعادة التموضع حول أسماء تسوية.
مصدر سياسي عراقي وصف المشهد لـ"إرم نيوز" بأنه "تجربة ضغط مزدوج"؛ ضغط خارجي واضح، وضغط داخلي يتصل بموازين القوى داخل الإطار نفسه، وبحسابات الشارع والاقتصاد والخشية من نقل الصراع الأمريكي - الإيراني إلى قلب بغداد.
الفصائل على الخط
لم تتأخر الفصائل المتحالفة مع إيران بالإعلان عن موقفها، وأخذ تدخّلها في الأزمة طابعا تصاعديا بعد منشور ترامب، إذ اعتبر بعض قادتها أن ما جرى "تدخلا سافرا" أو "اغتيالا سياسيا"، في إشارة إلى التاريخ القريب لاغتيالات طالت قادة مرتبطين بمحور إيران داخل العراق.
هذا الخطاب، وفقا للمصادر، يرفع سقف الأزمة؛ لأنه يحولها من خلاف على اسم رئيس الحكومة إلى مواجهة على "من يرسم حدود القرار في بغداد"، وهو ما قد يدفع قوى داخل الإطار إلى التشدد حتى لا تبدو متراجعة أمام جمهورها، فيما تدفع قوى أخرى باتجاه تخفيض التوتر خشية أن تتحول الأزمة إلى كلفة اقتصادية وأمنية على البلاد.
في هذا السياق، تلتقي تقديرات أمنية مع قراءات سياسية على أن واشنطن لم تعد تتعامل مع الحكومة العراقية كملف داخلي فقط، بل كجزء من لوحة إقليمية أوسع مرتبطة بالضغط على طهران، وهو ما يزيد حساسية "هوية رئيس الوزراء" في الحسابات الأمريكية.
ثلاثة مسارات مفتوحة
تتحدث مصادر قريبة من المشاورات عن ثلاثة مسارات رئيسية يجري تداولها في الساعات الأخيرة، أولها مسار التمسك بالمالكي حتى النهاية، عبر تحويل المواجهة مع واشنطن إلى "عنوان سيادة" ومحاولة امتصاص الضغوط عبر إدارة سياسية داخل البرلمان، مع الرهان على أن التهديدات الأمريكية ستبقى في إطار الضغط السياسي أكثر من التحول إلى خطوات اقتصادية مؤلمة.
فيما يقوم المسار الثاني؛"الخطة البديلة"، على البحث عن مرشح آخر من داخل الإطار أو من خارجه، بهدف تفادي التصعيد الخارجي واحتواء أي احتمال لعقوبات أو تقييد مالي، مع حفظ ماء وجه الإطار داخليا عبر سردية "قرار عراقي لا استجابة لضغط".
أما المسار الثالث فهو "المرشح الثالث التوافقي"، وهو خيار يكتسب زخما كلما تعمقت الفجوة بين جناح التمسك بالمالكي وجناح تجنب المواجهة، خاصةً مع بقاء ملف انتخاب الرئيس معلقا؛ ما يمنح الوسطاء مساحة لطبخ تسوية تنتج اسما لا يستفز واشنطن ولا يحرج طهران بالكامل.