‌‏ترامب. الجيش الأمريكي يدرس خيارات قوية للغاية بشأن إيران

logo
العالم العربي

خلافات وتمويل معطل.. لماذا تأجل الاستفتاء على الدستور في ليبيا؟

تظاهرة سابقة في ليبياالمصدر: (أ ف ب)

يعقّد الاستفتاء المؤجل على الدستور في ليبيا صراعَ الطبقة السياسية، وكانت له انعكاسات حتى على الشارع المحلي، في حين يشترط مراقبون أن يكون الاستفتاء نتيجة لمسار سياسي شامل يسبقُه توافق وطني حقيقي.

وعاد الاستفتاء إلى الواجهة خلال الساعات الأخيرة، بناءً على بيان صادر عن المفوضية الوطنية العليا للانتخابات الليبية، التي دافعت عمّا وصفته بـ"الادعاءات المضللة" الهادفة إلى زعزعة ثقة الشعب الليبي بالمؤسسة، مشددة على أن مجلس المفوضية لم يكن طرفًا في أي عرقلة للاستفتاء.

أخبار ذات علاقة

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب

ليبيا على الأجندة الأمريكية.. كيف أدار ترامب أعقد الملفات خلال عام؟

وبحسب البيان، أصدر مجلس النواب التعديل الدستوري العاشر في نوفمبر 2018، وأُحيل القانون رقم (6) لسنة 2018 بشأن الاستفتاء إلى المفوضية مباشرة، وشرعت الأخيرة في المراجعة الفنية للمواد تمهيدًا لإصدار اللوائح التنظيمية.

وأكدت الهيئة أن مجلس المفوضية تقدّم بطلب تمويل قدره 40 مليون دينار ليبي من حكومة الوفاق الوطني السابقة لتغطية تكاليف الاستفتاء، إلا أن رئيس الحكومة رفض التمويل، كما لم تنجح أي جهود لاحقة لإقناع الأطراف المعرقلة بالمضي في تنفيذ الاستفتاء.

وعلى صعيد ردود الفعل، اتهم رئيس المجلس الأعلى للدولة، محمد تكالة، رئيسَ المفوضية العليا للانتخابات، عماد السائح، بتأجيل مشروع الاستفتاء على الدستور، مؤكدًا أن ادعاءات المفوضية برفض المجلس الأعلى إجراء الاستفتاء "غير دقيقة ومخالفة للواقع".

ويعتقد الباحث السياسي عمر الجبالي العبيدي أن "مستقبل الاستفتاء على الدستور في ليبيا يظل مرهونًا بطبيعة المسار السياسي، أكثر من كونه مسألة إجرائية أو قانونية، إذا ما تحقق توافق سياسي حقيقي"، معتبرًا أن ذلك احتمال ضعيف، لكنه غير مستحيل. فقد يُدفع نحو إجراء استفتاء كخطوة لإعادة ترتيب المشهد، إلا أن هذا الاستفتاء سيكون في الغالب محاطًا بشروط وتسويات مسبقة، وقد يُستخدم كغطاء سياسي أكثر منه تعبيرًا صادقًا عن إرادة الليبيين، مع قابلية عالية لتعطيل نتائجه لاحقًا بحجة القوانين المكملة أو الظروف الأمنية.

ويواصل العبيدي قائلًا، في تصريح لـ"إرم نيوز"، إنه في حال استمرار الأزمة والانقسام، وهو السيناريو الأقرب للواقع، فإن الاستفتاء سيفقد معناه العملي ويتحول إلى أداة للمناورة وكسب الوقت، أو إلى مشروع منقوص لا يحظى بشرعية وطنية شاملة، وربما يبقى معلقًا إلى أجل غير معلوم، كما حدث في استحقاقات سابقة.

وفي رأي الباحث الليبي، وهو أحد المرشحين للحكومة، فإنه حتى لو تم الإعلان عن توافق شكلي على إجراء الاستفتاء، فإن التحديات ستظل قائمة وبقوة، في مقدمتها غياب الثقة في الأجسام القائمة على إدارة العملية، والانقسام القانوني حول الأساس الدستوري نفسه، والهشاشة الأمنية التي تقوّض حرية الاختيار ونزاهة النتائج، فضلًا عن ضعف القبول الشعبي لمشروع دستور ارتبط منذ بدايته بالصراع السياسي أكثر من ارتباطه بإرادة عامة جامعة. لذلك يرى أن الاستفتاء على الدستور، في الظرف الليبي الحالي، لا يمكن أن يكون مدخلًا للحل، بل يفترض أن يكون نتيجة لمسار سياسي شامل يسبقُه توافق وطني حقيقي، وإلا فإنه سيظل جزءًا من الأزمة لا أداة لإنهائها.

وفي المقابل، أظهرت النقاشات في إطار الحوار المهيكل، تحت رعاية الأمم المتحدة، تداول ثلاث مقاربات لمعالجة الأزمة الدستورية في ليبيا، وتكاد تكون هذه الخيارات هي نفسها التي يسعى كل طرف فاعل للدفع بها في الساحة السياسية، وهي: الاستمرار في الإعلان الدستوري القائم، أو تفعيل دستور الاستقلال لبناء الدولة على أسس دستورية مستقرة، أو الاستفتاء على مشروع دستور هيئة الستين.

كما بيّن استطلاع الرأي الوطني، الذي شمل أكثر من 22,500 ليبي على مدى شهرين، وأعلنت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا نتائجه الصيف الماضي، أن 17% فقط يؤيدون إكمال دستور دائم قبل تنظيم أي انتخابات، في حين قال 42% من المشاركين إن إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في الوقت نفسه، وفي أسرع وقت ممكن، هو أفضل طريقة لإنهاء حالة الجمود السياسي الحالية.

وأيّد نحو 23% من المشاركين اقتراحًا بحلّ المؤسسات القائمة وعقد منتدى حوار وطني لتعيين سلطة مؤقتة جديدة. ويتضمن هذا الخيار أيضًا انتخاب هيئة مؤلفة من 60 عضوًا لصياغة دستور مؤقت وقوانين انتخابية، تمهيدًا لإجراء انتخابات وطنية.

ومن الخيارات المطروحة الأخرى إجراء انتخابات برلمانية أوّلًا، ثم صياغة الدستور، تليها انتخابات رئاسية.

لكن برزت مقاومة شديدة من معسكر يمثله كلٌّ من المجلس الرئاسي وحكومة الوحدة الوطنية الموقتة لخيارات خارج "الاستفتاء على الدستور"، وقد حظي انتخاب مراجع نوح، الرئيس المنتخب لـ"الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور الليبي"، بدعم قوي من السلطات في طرابلس، بعدما عقد أول اجتماع رسمي للهيئة العام الماضي، عقب ثمانية أعوام من إقرار مسوّدة الدستور. في المقابل، اتهم نوح بعثة الأمم المتحدة بأنها "تجاهلت مسوّدة الدستور، التي أقرّتها الهيئة عام 2017، ولم تُطرح للاستفتاء الشعبي بعد".

وترى الهيئة، كأحد السبل لحل العقدة المستمرة في مادتين خلافيتين بمشروع الدستور والإطار الانتخابي، وهما منع ترشح مزدوجي الجنسية والعسكريين في الانتخابات الرئاسية، أن هاتين المسألتين "شأنٌ يخص أعضاء الهيئة التأسيسية". وقد تعثرت العملية السياسية منذ انهيار الانتخابات الرئاسية، التي كان مقررًا إجراؤها في ديسمبر 2021، بسبب خلافات حول أهلية المرشحين، في حين يمتد الصراع إلى قضايا جوهرية أخرى تتعلق بتوزيع الثروات، وشكل الدولة، وعدد أعضاء مجلس الشيوخ، ومقر العاصمة، والعَلَم الوطني.

غير أن هناك اعتراضات أخرى من بعض الأقليات، خصوصًا الأمازيغ، على دستور 2017، بسبب ما يرونه تهميشًا لهم. وفور انتخاب مراجع نوح، استقبله رئيس المجلس الرئاسي الليبي، محمد المنفي، بمقر المجلس في العاصمة طرابلس، حيث "تم التأكيد أن مشروع الدستور المُنجز بتاريخ الـ29 من يوليو 2017 يُعد الوثيقة الدستورية الوحيدة المكتملة من الناحيتين القانونية والإجرائية، والتي تمخضت عن إرادة جماعية داخل الهيئة التأسيسية المنتخبة، ولا يجوز الالتفاف عليها أو إحلال أي بدائل مكانها دون العودة إلى الإرادة الشعبية عبر الاستفتاء المباشر".

وبعدها بأسابيع، استقبل رئيس حكومة الوحدة الوطنية الموقتة، عبدالحميد الدبيبة، رئيسَ الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور، وأشار إلى أن "الهيئة تمثل الضمان الحقيقي لحق الشعب الليبي في الحصول على دستور دائم، من شأنه تنظيم الحياة السياسية في البلاد وبناء دولة مستقرة".

وحاول المنفي لاحقًا طرح الدستور للاستفتاء، وأمهل هيئة حكومية شهرًا واحدًا لتنفيذ هذا الطرح، لكنه فشل في ذلك. أما الدبيبة، فقد انتهز فرصة لقاء إعلامي بمناسبة "أيام طرابلس الإعلامية" ليجدد التأكيد أن السبيل الوحيد للخروج من أزمة ليبيا يكمن في طرح الدستور للاستفتاء الشعبي، وتمكين الليبيين من تقرير مصيرهم، ومن ثم إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية.

في المقابل، يتمسك رئيس مجلس النواب الليبي، عقيلة صالح، بالحل الذي يراه الأنسب للأزمة الليبية، والذي "يكمن في إجراء انتخابات رئاسية مباشرة من الشعب"، معتبرًا أن ذلك لن يأتي عبر الأمم المتحدة أو الحوارات والاجتماعات، كما صرح في كلمة له هذا الأسبوع.

ويعتقد عقيلة صالح أن البرلمان أتمّ القاعدة الدستورية لإجراء الانتخابات بعد صدور التعديلات في الجريدة الرسمية، مؤكدًا أن الحل يبدأ بإجراء استحقاق رئاسي مباشر.

وبالنسبة لعضو المجلس الأعلى للدولة، فتح الله السريري، فإنه يفسر العائق الرئيسي أمام إنجاز الاستفتاء بأنه يعود إلى التدخلات الدولية في ليبيا، بالإضافة إلى دور بعض أعضاء البعثة الأممية، مشيرًا إلى أن هذه الجهات لا تملك القرار الفعلي، وأن التدخلات الخارجية أثّرت في تقدم مشروع الدستور، رغم أن العملية الدستورية كانت متاحة لجميع الليبيين للموافقة أو الرفض وفق القانون.

 

 

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2025 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC