وكالة تسنيم: وفد إيران المفاوض أبلغ أمريكا عبر الوسيط الباكستاني أنه لن يتوجه إلى إسلام آباد غدا
لم تعد شبكة النفوذ الإقليمي التي بنتها إيران تُدار بالتماسك الذي رافق صعودها خلال العقدين الماضيين. فالمعطيات التي تنقلها الصحافة الدولية ومراكز الأبحاث تشير إلى أن الفصائل المرتبطة بطهران، خصوصاً في العراق واليمن، تتحرك اليوم بإيقاعات متباينة، في مشهد يطرح تساؤلات جدية حول قدرة القيادة الإيرانية على ضبط هذه الشبكة التي طالما اعتُبرت أحد أهم أدواتها الاستراتيجية.
العراق.. تباين الفصائل
في العراق، تُظهر التقارير أن الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران لم تعد تعمل ضمن نمط موحد.
فقد وثّق تقرير لوكالة "أسوشيتد برس" أن طهران اضطرت، تحت ضغط الحرب واتساع الجبهات، إلى منح قادة ميدانيين هامشاً أكبر لاتخاذ القرار، ما انعكس في تنفيذ عمليات دون انتظار توجيه مركزي مباشر. هذا التحول ترافق مع تصاعد في الهجمات، حيث يشير تحليل صادر عن مشروع التهديدات الحرجة إلى أن الفصائل العراقية المدعومة من إيران نفذت أكثر من 170 هجوماً ضد أهداف أمريكية في العراق وسوريا منذ بداية الحرب.
لكن هذه الكثافة لا تعني انضباطاً. فوفقاً لتحقيق موسّع نشرته "رويترز" كشف أن عدداً من قادة هذه الميليشيات باتوا أقل حماسة للانخراط في مواجهة مفتوحة، بسبب مخاوف تتعلق بالعقوبات وخسارة النفوذ الاقتصادي الذي راكموه داخل الدولة العراقية، حيث يعكس هذا التباين بين فصائل تصعّد وأخرى تتردد واقعاً أكثر هشاشة مما يبدو.
اليمن.. قدرة بلا استخدام كامل
في اليمن، تبدو الصورة أكثر وضوحاً من حيث حدود النفوذ الإيراني. حيث سبق أن نفذت ميليشيا الحوثي أكثر من 100 هجوم على السفن بين 2023 و2025، لكن مشاركتهم في الحرب الحالية لا تزال محدودة نسبياً حتى الآن. وهذا النمط من الاستجابة لا يرتبط دائماً بإيقاع التفاوض أو التصعيد الذي تريده طهران، بل يخضع في كثير من الأحيان لحسابات محلية.
وتشير تقديرات عسكرية غربية إلى أن الحوثيين يمتلكون ترسانة تشمل مئات الصواريخ والطائرات المسيّرة، تطورت بدعم إيراني، لكنها باتت تُستخدم وفق قرار ميداني مستقل نسبياً، ما يعكس تراجع القدرة على الضبط المباشر.
شبكة تتآكل
هذا التباين بين العراق واليمن يعززه ما تطرحه مراكز الأبحاث. فقد أشار المجلس الأطلسي إلى أن شبكة الوكلاء الإيرانيين لا تزال فاعلة، لكنها تواجه تبايناً متزايداً في الأولويات والقدرة على التنسيق، في ظل الضغوط العسكرية والسياسية.
في هذا السياق، يرى الخبير الاستراتيجي محمد يوسف النور أن ما يجري يتجاوز مجرد اختلاف تكتيكي، موضحاً أن "إيران لا تخسر نفوذها بقدر ما تخسر قدرتها على ضبطه، وهذا يظهر بوضوح في العراق".
ويشير النور إلى أن "زيارة قائد فيلق القدس إسماعيل قاآني الأخيرة إلى بغداد تعكس محاولة لإعادة ترتيب العلاقة مع الفصائل، وليس مجرد تنسيق روتيني".
ويضيف: "حين تحتاج طهران إلى تدخل مباشر بهذا المستوى لضبط الإيقاع، فهذا مؤشر على أن شبكة الوكلاء لم تعد تعمل بالانسجام السابق، وأن تعدد مراكز القرار بات واقعاً قائماً".
ضبط النفوذ تحت الضغط
بالرغم من أن الوقائع لا تشير إلى انهيار شبكة النفوذ الإيراني، لكنها تكشف خللاً متزايداً في طريقة إدارتها. فالفصائل العراقية تتحرك بين التصعيد والحذر، والحوثيون يديرون معركتهم وفق أجندة خاصة، فيما تبدو طهران منشغلة بمحاولة إعادة ضبط شبكة لم تعد تعمل كما في السابق.
وفي لحظة تتسع فيها الجبهات، قد يكون التحدي الحقيقي لإيران ليس في فقدان نفوذها، بل في فقدان القدرة على التحكم به.