تفرض الحرب الحالية على دمشق الانخراط في تداعياتها، وإن لم يكن ذلك من الناحية العسكرية، بل من خلال المساهمة في التنسيق مع الدولة اللبنانية "بما يضمن سيادة" الأخيرة في ظل التصعيد القائم.
وكان الرئيس السوري أحمد الشرع، أكد دعمه المساعي اللبنانية في نزع سلاح حزب الله وتجنيب المنطقة تداعيات الصراع الحالي.
ووفق خبراء، "يُعد موقف الشرع طبيعيًا في ظل قربه من معظم الأطراف، باستثناء المحور الإيراني، ما يضعه في قلب المعادلة نتيجة التداخل الجغرافي والأمني والسياسي، ليكون طرفًا فاعلًا عبر دور غير متوقع يعكس عمق الحضور السوري في الملف اللبناني".
وفي ظل هذا الواقع، تسعى دمشق إلى صياغة دور جديد يخرجها من مسار طويل ومعقد فرضته المرحلة السابقة، ومساندة لبنان سواء عبر الانخراط في مسارات تفاوضية أم من خلال تشكيل قنوات تواصل، في وقت يواجه فيه لبنان واحدة من أصعب مراحله.
وفي هذا السياق، قال المحلل السياسي مازن بلال، إن "دمشق ليست خارج الأزمة، وأن العمليتين اللتين حصلتا في النبي شيت عبر هبوط وحدات إسرائيلية باستخدام المجالين الجوي والجغرافي لسوريا، تؤشران إلى طبيعة التطورات والتداعيات التي تحملها الحرب الحالية".
وأضاف بلال لـ"إرم نيوز"، أن "سوريا محاصرة بالحروب، وأن موقف دمشق يبدو طبيعيًا في ضوء تموضعها الحالي خارج المحور الإيراني، إذ تقرأ معادلات الإقليم من تصور جديد يحاول الاستجابة لمخاطر اختلال التوازنات الهشة التي ظهرت بعد سقوط النظام. ويمكن فهم دعم أحمد الشرع لفكرة استعادة الدولة اللبنانية لسيادتها الكاملة بوصفه محاولة لكسر أي محاولات لظهور معادلة إقليمية جديدة كأحد تداعيات الحرب الحالية".
وأوضح بلال، أن "الحرب حولت الحدود اللبنانية-السورية إلى ساحة مفتوحة للتوترات، لذلك ترى دمشق أن قوة الدولة اللبنانية تساعدها في الحد من الفوضى الحدودية، وتعيد إنتاج شريك رسمي قادر على ضبط المعابر والقرار الأمني".
وأشار إلى أنه "لا يمكن فصل هذا الخطاب عن محاولة سورية أوسع لتثبيت تموضعها إقليميًا وإظهار حسن النية تجاه واشنطن".
وبيّن أن "دمشق تسعى إلى تقديم نفسها كطرف يدعم منطق الدولة في لبنان، وأن خطاب دعم سيادة الدولة اللبنانية يعكس محاولة سوريا إعادة تعريف علاقتها بالملف اللبناني على قاعدة الدولة–الدولة، بعد مرحلة طويلة ارتبط فيها الحضور السوري بنفوذ أمني وسياسي مباشر".
واختتم بلال حديثه بالإشارة إلى أن "دمشق تسعى إلى إظهار نفسها كطرف يدعم استقرار المؤسسات اللبنانية واستعادة القرار السيادي في بيروت، كجزء من عملية إعادة التموضع الإقليمي ومحاولة تخفيف الضغوط الأمنية والسياسية على حدودها الغربية".
من جانبه، قال المحلل السياسي نضال حوري، إن "التداخل الجغرافي بين سوريا ولبنان، فضلًا عن طبيعة العلاقات بين الشعبين، عوامل تفرض على دمشق اتباع سياسة خاصة تجاه هذا الملف على الصعيدين الداخلي والخارجي. فمن جهة يشكل لبنان عمقًا طبيعيًا لسوريا، ومن جهة أخرى تفرض طبيعة تحالفات سوريا الجديدة نسج علاقات حسن جوار بعيدًا عن الحرب الدائرة".
وأضاف حوري لـ"إرم نيوز" أن "الحرب الحالية، المتداخلة والقريبة من الحدود السورية، تفرض على دمشق تأمين حدودها عبر نشر قوات تضمن إرساء الأمن، لا سيما أن الدولة اللبنانية نفسها سبق أن أسقطت حزب الله من المعادلة الأمنية، ما يعني أن قتاله غير قانوني، الأمر الذي يوجب على سوريا ضمان عدم استغلال الحدود لتحقيق مآربها، وهذا مطلب لبناني قبل أن يكون سوريًا".
وبيّن أنه "مع استعادة لبنان لقراره السيادي سينعكس ذلك إيجابًا على العلاقة مع سوريا"، مشيرًا إلى أن "دمشق لا تزال تتبع سياسة ضبط النفس في تعاملها مع هذه الحرب، خصوصًا أنها تدرك طبيعة العلاقة السورية-اللبنانية السابقة".
وخلص حوري إلى أن "قرب سوريا الحالي من أطراف الصراع، باستثناء إيران وحزب الله، يمنحها موقعًا أكبر للمساعدة في الحل، وليس في تمرير أجندات لأي طرف، سواء عبر الأوروبيين أم الدول العربية، بما قد يعيدها إلى مكانتها في المساهمة بإرساء الأمن والاستقرار، خاصة في ظل ما يتعرض له لبنان".