logo
العالم العربي
خاص

الجنوب اليمني بين الحوثيين والإخوان.. صراع الرابحين من الفوضى

مسلحون حوثيونالمصدر: رويترز

وسط التحولات المتسارعة التي يشهدها اليمن، وخصوصاً في جنوبه، تتضح معادلة سياسية وأمنية جديدة تتجاوز الخطاب التقليدي للصراع. فخصومة  الحوثيين وجماعة الإخوان المسلمين لا تبدو بالضرورة صراعاً على الإقصاء الكامل؛ إذ إن تراجع قوة المعارضين يمنح كلا الطرفين فرصاً لإعادة البناء واستغلال الفوضى المتفاقمة.

ويعدّ إفشال المخطط الإخواني لاستهداف العاصمة المؤقتة عدن أبرز التطورات الأمنية والسياسية الراهنة؛ لما يحمله من دلالات تتجاوز الحدث الميداني ذاته. فقد أحبطت قوات العمالقة الجنوبية، يوم الاثنين، تحركاً منظماً قادته مليشيات مرتبطة بالإخوان في تعز، كان يهدف إلى اختراق أمني للمدينة، مستغلة حالة الترقب والضغط السياسي التي تشهدها عدن.

محاولة فرض وقائع بالقوة

ووفقاً لمصادر محلية خاصة وتقارير ميدانية، فقد أُجهض التحرك  الإخواني خلال ساعاته الأولى بفضل انتشار أمني سريع أعاد ضبط المشهد داخل العاصمة، ومنع انتقال أي توتر إلى الشارع؛ ما أسهم في وقف التحرك قبل أن يتحول إلى مواجهة مفتوحة أو فرض أمر واقع جديد داخل عدن.

تكمن أهمية هذا التطور في كونه يعكس نمطاً متكرراً من محاولات استثمار الهشاشة السياسية والإدارية لفرض وقائع ميدانية بالقوة، كما يسلّط الضوء على طبيعة التحركات الإخوانية التي تقوم على خلق بؤر توتر في مراحل حساسة، بهدف إعادة خلط الأوراق وإرباك المشهد العام، دون تحمل كلفة سياسية مباشرة.

ويشكّل هذا السياق الميداني مدخلاً أساسياً لفهم ما يجري لاحقاً على المستوى السياسي، حيث تتقاطع محاولات  الإخوان لإعادة فرض حضورهم مع استفادة الحوثيين من أي اضطراب في الجنوب، ما يعزز فرضية أن الفوضى الأمنية يمكن أن تتحول إلى أداة سياسية تخدم أكثر من طرف في آن واحد.

توسّع هوامش الحوثيين والإخوان

في المقابل، قال مصدر دبلوماسي غربي مطلع على تطورات الملف اليمني، لـ"إرم نيوز"، إن الجنوب دخل مرحلة من التعطيل السياسي المزمن نتيجة إدارة سلطة رشاد العليمي للأدوات نفسها التي اعتمدتها خلال الأعوام الماضية، مع فارق أن الهوامش توسعت الآن أمام كل من الحوثيين وجماعة الإخوان.

وأشار المصدر إلى أن القراءة السائدة داخل الدوائر الغربية تعتبر الجنوب اليوم نقطة اختناق وتوتر حرج قابلة للانفجار في أي لحظة، حيث تُستنزف الموارد في إدارة أزمات متلاحقة بدل تثبيت بنية حكم قابلة للاستمرار.

وأضاف أن استمرار هذا النمط يخلق بيئة ملائمة  للحوثيين والإخوان على مستوى الزمن السياسي؛ إذ تتراجع القدرة على بناء ضغط متماسك، وتتآكل أولويات المواجهة المباشرة لصالح إدارة خلافات داخلية. ولفت إلى أن مؤشرات الأسابيع الأخيرة تُظهر استقراراً نسبياً في بنية القرار الحوثي مقابل ارتباك في الجبهة المقابلة، مع انتقال مركز الثقل من التخطيط الاستراتيجي إلى ردود الفعل.

وأوضح أن الجنوب بوضعه الحالي يقدم خدمة غير مباشرة للحوثيين عبر تعطيل أي مسار يُفضي إلى إعادة تنظيم القوة السياسية والعسكرية المناهضة لهم، مؤكداً أن هذا الواقع ينعكس على الحسابات الإقليمية المتعلقة بأمن الملاحة والتهديدات العابرة للحدود.

وأضاف أن الدوائر الغربية تتابع بقلق مسار إدارة الموارد في الجنوب، مع غياب آليات رقابة فعّالة وتداخل الصلاحيات؛ ما يضعف الثقة بقدرة سلطة العليمي على إنتاج استقرار إداري، مشيراً إلى أن هذا الخلل يفتح المجال أمام قوى تمتلك خبرة العمل داخل المؤسسات في ظروف متعثرة.

أخبار ذات علاقة

القوات اليمنية

الإخوان والحوثي.. "تحالف الفوضى" يُهدد منجزات 10 سنوات في الجنوب اليمني

إدارة النفوذ وتفريغ مؤسسات الدولة

بينما قالت مصادر سياسية يمنية لـ"إرم نيوز" إن ما يجري في الجنوب مرتبط مباشرة بخيارات سلطة رشاد العليمي، التي أدارت الملف بمنطق إدارة النفوذ لا تثبيت الحكم، مؤكدة أن القرارات المتخذة في عدن خلال الفترة الأخيرة أضعفت القدرة التنفيذية للمؤسسات، وخلقت فراغات إدارية استثمرتها شبكات حزبية، وفي مقدمتها الإخوان، للعودة إلى مواقع التأثير من دون كلفة سياسية مباشرة.

وأضافت أن الإخوان يعملون اليوم داخل مساحات السلطة عبر أدوات إدارية وتنظيمية، مع إعادة ترتيب مواقعهم داخل مفاصل القرار، مستفيدين من غياب رؤية مركزية واضحة لإدارة الجنوب. 

وأشارت إلى أن الحوثيين يراقبون هذا المشهد كفرصة استراتيجية، حيث يؤدي إرباك الجنوب إلى تخفيف الضغط عن صنعاء، ويمنحهم مساحة لإدارة ملفاتهم العسكرية والسياسية بثبات. كما أضافت أن الحوثيين لا يحتاجون إلى تحركات ميدانية في الجنوب بقدر حاجتهم إلى استمرار تعطّل خصومهم، مع بقاء الجبهة المقابلة في حالة استنزاف إداري وأمني.

وأكدت أن سلطة العليمي تتحمّل مسؤولية مباشرة عن هذا المسار، وأن هذا النهج يضعف موقع الدولة، ويُعيد إنتاج بيئة تسمح للحوثيين والإخوان بتعزيز نفوذهم داخل مشهد سياسي مأزوم.

وختمت بالقول إن استمرار هذا الوضع يهدد بتكريس الجنوب كساحة استخدام سياسي، مع انتقال ثقل الصراع من مواجهة مشروع الحوثي إلى إدارة توازنات داخلية. وأكدت أن أي تغيير في مسار المشهد اليمني يتطلب إعادة ضبط إدارة الجنوب على أسس مؤسسية واضحة، وإغلاق المسارات التي تُنتج مكاسب مجانية للحوثيين والإخوان على حساب الدولة.

تعقيد الجبهة المناهضة للحوثيين

ويَعتبر الباحث الأمريكي المتخصص في الشؤون الخليجية، دانيال كورن، خلال حديثه لـ"إرم نيوز" أن المشهد اليمني يواجه أزمة مركبة بدت فيها قرارات رشاد العليمي محوراً في زيادة التعقيد، فبدلاً من توحيد القوى ضد الحوثيين، أدت سياسات العليمي وإمعانه في فرض رؤيته الأمنية دون توافق وطني شامل إلى إحياء آمال تنظيم الإخوان المسلمين في العودة إلى المشهد السياسي، مستفيدين من الفراغ الذي أحدثته قرارات سلطة العليمي في عدن وحضرموت والمهرة. هذا التحول أدى إلى انفتاح المجال أمام الإخوان لتعزيز نفوذهم على حساب قدامى المقاومين للحوثي دون مواجهة حقيقية لخطر المليشيات الحوثية.

وتابع كورن "إن ما يجري في الجنوب يكرّس واقعاً صارخاً، عوضاً عن أن يكون الجنوب منصة مواجهة فعّالة للحوثيين، أصبحت الانقسامات الحادة والتدخلات الإقليمية في صلب الاستراتيجية اليمنية". 

كذلك اعتبر أن الحوثيين، رغم ضعف مواردهم وضغوط الضربات الجوية الدولية، لا يزالون يستفيدون من أي انقسام في صفوف خصومهم، وأن استنزاف مشروع الدولة المضاد لهم في الجنوب جعل من كل تشظٍ سياسي أو أمني فرصة للمليشيات لتأكيد وجودها وتوسيع نفوذها في مناطق الشمال، وذلك من دون أي مواجهة حقيقية شاملة. 

تعطيل مسارات الحسم

في الوقت نفسه، توضح التقارير أن جماعة الإخوان تعمل بهدوء، ومن داخل أطراف سلطة العليمي، على إضعاف أي بُعد يتجه نحو حسم عسكري أو سياسي ضد الحوثيين، وتستثمر في إعادة تشكيل الساحة الجنوبية بما يخدم مصالحها التنظيمية وطموحاتها بالتموقع في مؤسسات الدولة، أو حتى بمعنى أوسع داخل أي تسوية يمنية مستقبلية. 

أخبار ذات علاقة

عيدروس الزبيدي خلال لقاء قيادات جبهات شمال الضالع  في اليمن

الزبيدي: تأمين جنوب اليمن منطلق لتحرير الشمال من الحوثيين

نشاط الإخوان، وفق هذه التقارير، أضحى مرتبطاً بشكل وثيق بسياسات العليمي التي بدت في كثير من الأحيان منحازة لحسابات فئوية أو تنظيمية على حساب مشروع وطني جامع. هذا الواقع يفتح الباب أمام تساؤلات حادة حول ما ينتظر المشهد اليمني في المرحلة المقبلة.

إذ إن الفوضى التي ترتسم في الجنوب اليوم تترجم إلى حرب على مشروع الدولة اليمنية نفسها؛ فالحوثيون يمدّون جذورهم شمالاً ويستفيدون من فشل الخصوم في تقديم بديل جدي قادر على استعادة الدولة، والإخوان يعيدون تموضعهم داخل النظام السياسي بالاستفادة من الانقسامات القائمة وغياب استراتيجية وطنية موحدة لطرد الحوثيين أو كسر شوكتهم.

تفريغ الجنوب سياسياً

من جانبه، رأى الباحث السياسي المتخصص في الشؤون اليمنية، نادر الخليلي، خلال حديثه لـ"إرم نيوز" أن المرحلة الحالية تشهد إعادة تموضع هادئة للإخوان والحوثيين، مستفيدة من ضعف البنية السياسية الجامعة، حيث يعتمد هذا التموضع على استثمار الفراغات التي خلّفها غياب مشروع وطني واضح.

ولفت الخليلي إلى أن الجنوب يتأثر مباشرة بهذا المسار، بسبب غياب إطار سياسي قادر على ترجمة أي إمكانات استقرار إلى نفوذ وطني. وفي رأيه، فإن الفوضى السياسية تُعيد توزيع الأدوار لمصلحة قوى الإخوان والحوثيين. 

كذلك أضاف أن المشكلة الأساسية تكمن في غياب مركز سياسي قادر على ضبط العلاقة مع الجنوب ضمن تصور وطني متكامل. كما أن هذا المسار، يجعل أي تسوية مستقبلية أكثر تعقيداً، ويمنح القوى التي راكمت نفوذها خلال مراحل الاضطراب موقعاً متقدماً على طاولة التفاوض.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2025 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC