logo
العالم العربي

ضغوط وواقع ميداني معقّد.. "لجنة إدارة غزة" تخوض معركة "الشرعية"

خيام النازحين قرب المساكن المدمرة في غزةالمصدر: رويترز

تواجه لجنة التكنوقراط المكلفة بإدارة قطاع غزة عقبات تحول دون بدء مهامها بعد أكثر من شهر على إعلان تشكيلها، إذ ما زالت حتى اللحظة تنتظر تهيئة الظروف لدخولها إلى القطاع ومباشرة مهامها.

ورغم إعلان حماس مرارًا استعدادها لتسليم الحكم في قطاع غزة إلى اللجنة، إلا أن الحركة تتمسك بدمج موظفيها بمن فيهم عناصر الأمن ضمن الأجهزة التنفيذية للجنة، وهو ما تعارضه إسرائيل.

كما تعيق جولات التصعيد الإسرائيلية المتكررة في قطاع غزة، عمل اللجنة، ما يضعها في خانة التعامل مع واقع قاسٍ، تبحث فيه عن شرعية لعملها في ظل معطيات ميدانية على الأرض تحد من تحركاتها.

فراغ سياسي

ويرى المحلل السياسي ياسر مناع، أن فكرة لجنة إدارة غزة نشأت بوصفها صيغة ولدت من لحظة شبه فراغ سياسي وأمني بعد حرب مدمّرة، وليس من توافق وطني مكتمل.

ويقول مناع لـ"إرم نيوز" إن "التعامل معها كهيئة إدارية محايدة صعب، لأنها منذ إعلانها تقع في قلب معركة الشرعية الفلسطينية وأن الخطاب الرسمي يقدّمها كإدارة انتقالية للخدمات والإعمار، لكن واقع التوازنات يشير إلى أنها تحولت سريعًا إلى مساحة تنافس على حق تمثيل غزة سياسيًا وإداريًا في المرحلة المقبلة".

ويضيف أن "السيناريو الأقرب إلى الواقع هو أن اللجنة صُممت لتكون انتقالية، لكن الزمن السياسي قد يدفعها إلى تثبيت فصل إداري طويل إذا طال أمد المرحلة الانتقالية، وكل تجربة انتقالية في مناطق الصراع تُظهر أن المؤسسات المؤقتة تتحول تدريجيًا إلى بنى دائمة عندما تتعطل التسويات السياسية الكبرى".

ويشير مناع إلى أن التوتر الأساسي يكمن بين وظيفة الإنقاذ ووظيفة الشرعية، وغزة تحتاج إلى جسم قادر على إدارة الخدمات والإعمار بسرعة بعيدًا عن الاستقطاب السياسي الحاد، مضيفًا: "لكن أي إدارة للأموال والمعابر والرواتب ستصبح تلقائيًا مركز ثقل سياسي، حتى لو أعلن حياده وهذا يثير القلق لدى السلطة الفلسطينية، التي ترى في أي إدارة منفصلة احتمال سحب الاعتراف العملي منها، بينما ترى قوى أخرى في اللجنة فرصة لتجنب عودة السيطرة السياسية التقليدية إلى القطاع".

ويؤكد أن المعضلة الكبرى التي تواجه اللجنة تتمثل في معادلة المرجعية والاشتراطات الدولية، فالمانحون يريدون إدارة تكنوقراطية شفافة وغير صدامية، بينما الواقع المحلي يقوم على تعدد القوى والفصائل والنفوذ السياسي.

ويلفت إلى أن أي خطوة نحو إرضاء الاشتراطات الدولية تُقرأ داخليًا كاقتراب من أجندة سياسية معينة، وأي خطوة نحو التوازنات الداخلية تُقرأ خارجيًا كضعف في الحوكمة، ما يضع اللجنة في موقع إدارة أزمة دائمة بدل إدارة مرحلة انتقالية قصيرة.

واعتبر منّاع أن التحدي الأكثر تعقيدًا سيبقى ميدانيًا لا تنظيميًا، وأن الشرعية في غزة لن تُقاس بالقرارات أو البيانات، بل بالقدرة على إدارة الحياة اليومية مثل الكهرباء والمياه والرواتب والبلديات والإغاثة وإعادة الإعمار.

ويشير إلى أن نجاح اللجنة في تقديم الخدمات قد يعمّق الجدل حولها بدلاً من إنهائه والفشل سيُتهم بالعجز، والنجاح سيُقرأ كتأسيس واقع إداري منفصل والسؤال الحقيقي لا يتعلق بوجود اللجنة بحد ذاته، بل بغياب أفق سياسي واضح يحدد موقع غزة داخل النظام السياسي الفلسطيني.

ويعتقد أنه في غياب هذا الأفق ستبقى اللجنة عالقة بين وظيفتين متعارضتين: إدارة مرحلة انتقالية يفترض أن تنتهي، وإدارة واقع يومي قد يطول أكثر مما خُطط له.

تجارب وعقبات

من جانبه، يرى الأكاديمي والمحلل السياسي أسامة عبدالله أن لجنة إدارة قطاع غزة تُقدَّم رسميًا كإطار إداري انتقالي هدفه ملء الفراغ التنفيذي في القطاع بعد الحرب، وضمان استمرار الخدمات الأساسية إلى حين التوصل إلى صيغة سياسية أشمل.

ويقول لـ"إرم نيوز" إن "طبيعة اللحظة الفلسطينية الراهنة تجعل أي كيان إداري جديد مسألة سياسية بامتياز، وأن التجربة الفلسطينية منذ عام 2007 أثبتت أن الهياكل المؤقتة يمكن أن تتحول إلى وقائع دائمة إذا طال أمدها أو ارتبطت بترتيبات دولية منفصلة عن السياق الوطني العام".

ويشير عبدالله إلى أن خطورة اللجنة لا تكمن في نصوص تفويضها، بل في مسار تطورها، وما إن بقيت خارج الإطار المؤسسي للسلطة الوطنية الفلسطينية ولم تُدمج ضمن منظومة الحكم الواحدة.

وحذر من أن ذلك سيجعلها تتحول عمليًا إلى نواة إدارة موازية تعمّق الانقسام بين غزة والضفة الغربية، وأن ضبطها زمنيًا ومؤسسيًا ضمن رؤية إعادة توحيد النظام السياسي يجعلها أداة انتقالية لا أكثر.

ويضيف أن "اللجنة تمثل جسرًا لإنقاذ القطاع من الناحية الإدارية والإنسانية، إذ يمكنها إدارة ملف الإغاثة وإعادة الإعمار وضبط الخدمات الأساسية في قطاع مدمر اقتصاديًا وبنيويًا، وأن أي جسم إداري يُنشأ خارج التسلسل السياسي الطبيعي أو يُمنح شرعية دولية تتجاوز الشرعية الوطنية قد يتحول، ولو دون قصد، إلى أداة لإعادة هندسة المشهد السياسي الفلسطيني".

ويعتقد أن أي انحياز مفرط للاشتراطات الدولية قد يُفقد اللجنة عمقها الوطني، بينما تجاهل هذه المتطلبات قد يحرمها من التمويل والدعم اللازمين، مضيفًا أن "التحدي الحقيقي ليس إداريًا بل هو سياسي، ويتمثل في إدارة إعادة إعمار غزة ضمن رؤية وطنية جامعة لا ضمن ترتيبات دولية منفصلة قد تعيد إنتاج الانقسام".

خطوط دقيقة

فيما يرى المحلل السياسي أيمن الرقب أن الهدف من اللجنة هو أن تكون عاملاً لتخفيف معاناة الشعب الفلسطيني والحفاظ على الشرعية الفلسطينية، مشيرًا إلى أن اللجنة ثبتت الشعارات الرمزية الفلسطينية في أوراقها، ما أزعج إسرائيل، وأن مهامها تتطلب تحمل أعباء كبيرة والتعاون من الجميع للسيطرة على الأوضاع في غزة.

ويقول الرقب لـ"إرم نيوز" إن "اللجنة الوطنية ستعتمد في البداية على الهياكل المؤسسية القائمة، والبديل سيكون الفوضى ويحتاج إلى وقت طويل للترتيب، والوضع الحالي مختلف عما حدث عام 2007 عندما سيطرت حماس على قطاع غزة، حيث كان لديها قوات أمنية ورسمية وعسكرية، ما سهّل ملء الفراغ حينها".

ويضيف أن "جميع الفصائل اتفقت على دعم اللجنة وتسهيل عملها في القطاع، ومهام اللجنة مؤقتة، وتهدف بعد استقرار الوضع في غزة إلى إجراء انتخابات في الضفة وغزة والقدس لاختيار ممثلي الشعب الفلسطيني في مؤسساته المختلفة"، متوقعاً أن يمتد دور اللجنة الانتقالي بين ثلاث إلى خمس سنوات.

ويشير إلى أن اللجنة تعمل بين "خطوط دقيقة" وتحافظ على التواصل مع السلطة والفصائل والشخصيات الاعتبارية الفلسطينية والعربية والدولية لضمان النجاح والحفاظ على الدعم الدولي. 

أخبار ذات علاقة

مشهد من غزة

توازنات دقيقة.. هل تصمد "غزة الجديدة" أمام الخلافات الأمريكية الأوروبية؟

ويلفت الرقب إلى أن هناك خططًا للاستعانة بالشرطة القائمة ودمج أعضاء من الشرطة القديمة التابعة للسلطة مع طلائع الشرطة المدربة في مصر والأردن لتشكيل جهاز واحد قوي قادر على مواجهة التحديات الأمنية القادمة، والمرحلة المتقدمة قد تشمل تسليم سلاح المجموعات المسلحة للشرطة الفلسطينية، وتطبيق منهج وحدانية السلاح، مؤكداً أن التحديات أمام اللجنة كبيرة وصعبة.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC