تتصادم رؤى الولايات المتحدة الأمريكية وهي أحد الأطراف الرئيسية في وساطة التوصل لاتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، مع رؤية أوروبية متحدة نسبيًّا بشأن ترتيبات ما يُعرف بـ"اليوم التالي" للحرب في القطاع.
ويجمع مختصون على أن رغم التباين بين الجانبين، فإن الموقف الأوروبي يظل تحت سقف الموقف الأمريكي، لمنع توسع الصدام بين التكتل الأوروبي وواشنطن، خاصة في ظل توتر في ملفات دولية أخرى، كالحرب في أوكرانيا.
ويرى المحلل السياسي محمد هلسه، أن الرهان على موقف أوروبي مستقل يتجاوز سقف الموقف الأمريكي في مختلف الملفات يبدو غير ممكن، معتبرًا أن مواقف الطرفين غالبًا ما تتضارب، خاصة حين يتعلق الأمر بالصراع الإسرائيلي الفلسطيني إلا أنه يتم تجاوز ذلك.
ويقول هلسة لـ"إرم نيوز" إن "مواقف أوروبا لا تصل إلى حد الصدام مع الإرادة والرغبات الأمريكية والإسرائيلية، بل تحاول مسك العصا من المنتصف للحفاظ على مصالحها وعلاقاتها مع إسرائيل والولايات المتحدة".
ويضيف أن "موقف الأوروبيين من فكرة مجلس السلام وتفرعاته يعكس حتى اللحظة قلقًا عامًا من أن ميثاق المجلس هو محاولة أمريكية لبناء مركز موازٍ لاتخاذ القرار بعيدًا عن الأمم المتحدة وإحجام أوروبا عن قبول المشاركة في المجلس حتى لا يُنظر إلى مشاركتها باعتبارها منح الشرعية الغربية لهذا الجسم وما يصدر عنه من مواقف".
ويقول هلسه: "الأوروبيون يُعبرون عن رغبتهم في أن يفضي أي مسار يخص غزة إلى خلق أفق سياسي للفلسطينيين في إطار حل الدولتين، ويرفضون تجزئة الضفة وغزة، ويرون إمكانية شراكة السلطة الفلسطينية في ترتيبات غزة بعد إتمام الإصلاحات المطلوبة منها، وهو ما ترفضه إسرائيل بتفاهم مطلق مع الولايات المتحدة".
ويشير إلى أن الولايات المتحدة قادرة على فرض مقاربتها مستفيدة من ضعف الاتحاد الأوروبي، وحاجته لدعمها في ملفات أخرى، مضيفًا أن "ترامب يعي بأن موقف الغرب من القضية الفلسطينية شكلية في الغالب، وأن الاتحاد الأوروبي ليس مستعدًا للدخول في صدام مع الولايات المتحدة من أجل الفلسطينيين".
ويؤكد أن "القضية المالية مهمة لكنها ليست العائق الأساسي بل العائق الأكبر هو خشية الدول من أن تستثمر في إطار مجلس السلام الذي لا يحظى حتى الآن بدعم مستقر ولا بآليات عمل فاعلة وواضحة".
ويشير إلى خشية أوروبا من أن الأموال قد تُجمع لمشروع لا يملك إجابات عن الأسئلة الأمنية والسياسية الأساسية، مثل: نزع سلاح حماس أو انسحاب إضافي للقوات الإسرائيلية.
وتابع أن "الشق المدني من المشروع لا يبدو أقل هشاشة، فاللجنة الوطنية لإدارة غزة التي أُنشئت لتحل محل حماس، لم تتمكن خلال أكثر من شهر من دخول القطاع، كما أن محاولات المبعوث الخاص لمجلس السلام نيكولاي ملادينوف لتشكيل حزمة دخول إنسانية تصطدم بغياب موافقة إسرائيل".
وختم بالقول إن "مجلس السلام ينطلق من دون إجماع، ودون حل أمني واضح، ودون سيطرة فعلية على الأرض التي يفترض أن يديرها؛ ما يجعل أول اجتماع عملي للمانحين ليس بداية مسار، بل محاولة لإضفاء شكل مؤسسي على فراغ سياسي قائم".
ويرى المحلل السياسي عدنان الصباح أنه لا يوجد خلاف أمريكي–أوروبي حول موضوع غزة، وأن تخوفات أوروبا الحقيقية تنحصر في أوضاعها الداخلية وفي الهجوم الذي تتعرض له من قبل ترامب على مصالحها وعلى التحالف الأمني والدفاعي التاريخي بين الجانبين.
ويقول الصباح لـ"إرم نيوز" إن "امتناع أوروبا عن المشاركة في مجلس السلام أو عن المساهمة في مشروع إعمار غزة لا يضر الولايات المتحدة وإسرائيل، بل إن غياب التمويل قد يشكل فرصة لهما للإبقاء على الوضع القائم في قطاع غزة بما يساعد على مواصلة الضغط على السكان وبذرائع شرعية لتسهيل دفع الفلسطينيين نحو الهجرة الطوعية".
ويضيف أن "ترامب يرغب في التصرف بملف غزة بشكل منفرد، أو في أحسن الأحوال بالتفاهم مع نتنياهو لتنفيذ أهدافهما المشتركة، لأن ذلك يمنع أي ضغوط سياسية محتملة".
ويعتقد الصباح أن هذا الإحجام الأوروبي يمكن أن يوفر قاعدة مهمة للعمل العربي والفلسطيني إذا تمكن الفلسطينيون من توحيد برنامجهم وأهدافهم ومساعيهم، ونجحوا في بناء تحالف عربي واضح يمكنه تقديم بديل لترامب في ملف إعادة بناء غزة.
وتابع أن "هذا بديل يصعب على واشنطن رفضه عمليًّا، وأن المشروع الاستثماري الذي يطرحه ترامب يمكن، في هذه الحالة، أن يتحول إلى مشروع عربي يوفر استثمارًا مجديًا للعرب، وفي الوقت نفسه يمنح الفلسطينيين فرصة للثبات والتعافي على أرضهم".