تضع واشنطن صادرات النفط الإيرانية في قلب المواجهة مع طهران، في محاولة لإعادة رسم قواعد الاشتباك بعيدًا عن الخيار العسكري المباشر، عبر استهداف الشريان المالي الأهم للاقتصاد الإيراني، وخصوصًا تدفق الخام إلى الصين، بما يحوّل سوق الطاقة إلى ساحة ضغط إستراتيجية تتقاطع فيها الحسابات الاقتصادية مع رهانات التفاوض النووي.
وبعد اجتماع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض، برز توجه واضح لتشديد الخناق على صادرات النفط الإيرانية إلى الصين، في إطار سياسة "الضغط الأقصى" التي تعود إلى واجهة المشهد بالتوازي مع مفاوضات نووية حساسة.
وبحسب ما نقل موقع "أكسيوس" عن مسؤولين أمريكيين، فإن الطرفين اتفقا على بذل "أقصى جهد ممكن" لخفض مبيعات النفط الإيراني إلى بكين، التي تستحوذ على أكثر من 80 % من صادرات طهران النفطية.
ويعني أي تراجع في هذه التجارة ضربة مباشرة للعائدات الإيرانية، التي يمثل النفط عمودها الفقري.
ويأتي التصعيد الاقتصادي في وقت تستعد فيه الأطراف لجولة ثانية من المباحثات غير المباشرة في جنيف، بعد جولة أولى في عُمان.
توسع الضغط الأمريكي
في هذا السياق، قال الخبير في المجال النفطي كوفند شيرواني لـ"إرم نيوز" إن "العقوبات النفطية السابقة كان لها دور كبير في خفض صادرات إيران التي كانت تصل إلى نحو 3 ملايين برميل يوميًّا، قبل أن تنخفض إلى ما يقارب مليون ونصف المليون برميل بفعل العقوبات".
وبين أن طهران "حاولت تعويض جزء من الانخفاض عبر قنوات غير رسمية وأسطول الظل".
وأضاف شيرواني أن "توسيع العقوبات لتشمل الدول أو الشركات التي تتعامل مع إيران، بما في ذلك فرض رسوم أو قيود تجارية، يعني أن الضغط لم يعد مقتصرًا على القطاع النفطي، بل امتد إلى قطاعات أوسع".
ولفت إلى أن "آثار هذه العقوبات انعكست على الاقتصاد الإيراني ومعيشة المواطنين، وهو ما يجعل رفع العقوبات شرطًا أوليًّا في أي تفاوض".
وحذَّر من أن أي انزلاق إلى مواجهة عسكرية "سيهدد أمن المنطقة وسلاسل الإمدادات وأسواق الطاقة التي ستكون أول المتضررين".
وإذا نجحت واشنطن في تقليص الصادرات الإيرانية إلى ما دون نصف مليون برميل يوميًّا، فإن طهران ستواجه فجوة مالية حادة، خصوصًا في ظل استمرار القيود المصرفية، هذا السيناريو لا يعني – وفق مختصين - انهيارًا فوريًّا، لكنه يراكم ضغطًا داخليًّا تدريجيًّا، قد يدفع القيادة الإيرانية إلى إبداء مرونة أكبر في المفاوضات النووية، مقابل رفع مرحلي للعقوبات.
ولا يستهدف التحرك الأمريكي إيران وحدها بقدر ما يعيد إدخال الصين إلى قلب المعادلة، باعتبار أن خفض صادرات النفط الإيرانية إلى بكين يعني عمليًّا الضغط على شريانين في آن واحد، خاصة أن المصافي الصينية الخاصة استفادت طويلًا من الخصومات الإيرانية.
الصين والبحث عن البدائل
من جانبه، قال الخبير في الاقتصاد الدولي زياد الهاشمي إن "القرار الأمريكي الجديد يمثل تجديدًا وتحديثًا لمسار الضغط الأقصى، عبر استهداف صادرات الطاقة الإيرانية، خصوصًا تلك المتجهة إلى المصافي الصينية الصغيرة المعروفة بمصافي التيبوت".
وأوضح لـ"إرم نيوز" أن المصافي الصينية ستبحث عن بدائل لتعويض النفط الإيراني الثقيل والمتوسط عالي الكبريت، مثل: نفط البصرة الثقيل والمتوسط، مشيرًا إلى أن "بكين ترفض العقوبات الأحادية، لكنها قد تتجه عمليًّا إلى تقليص المشتريات لتجنب المخاطر".
ولا تخشى الأسواق - وفق متعاملين – من تراجع الإمدادات الإيرانية، بل تتجه الخشية نحو سيناريو التصعيد، فالمخاطر الحقيقية تكمن في احتمال امتداد التوتر إلى مضيق هرمز أو تعطيل إمدادات دول أخرى، وحينها لن يكون الحديث عن بضعة مئات آلاف البراميل، بل عن ملايين البراميل يوميًّا، وهو ما قد يدفع الأسعار إلى موجة ارتفاع حادة ويضغط على الاقتصاد العالمي.