تُظهر معطيات دبلوماسية حديثة أن التعثر المتكرر في اجتماعات "الميكانيزم" المتصلة بالوضع الحدودي في لبنان خرج عن نطاق الإرباك الإجرائي إلى نطاق سياسي أكثر حساسية.
ويكشف مصدر دبلوماسي إقليمي مطلع على مسار الاتصالات الجارية، لـ"إرم نيوز"، أن وتيرة التأجيل، وتراجع مستوى التنسيق، وتبدل أولويات بعض الأطراف المشاركة في اللجنة المعنية بملف الجنوب اللبناني، تشكل مجتمعة إشارات على اهتزاز فعلي في الالتزام باستمرار هذا الإطار، واحتمالية انهياره قريبًا.
ويلفت المصدر إلى أن آلية "الميكانيزم"، منذ تأسيسها، عملت على ضبط التماس بين الميدان والسياسة، وأن أي خلل في انتظامها ينعكس مباشرة على الاستقرار الحدودي.
ووفق تقدير المصدر، فإن استمرار هذا الخلل لفترة إضافية سيُدخل "الميكانيزم" في منطقة ضبابية، لا تعليق معلن فيها ولا انتظام فعلي، وهي المرحلة التي سبقت انهيارات مماثلة في تجارب إقليمية سابقة.
ويربط المصدر الدبلوماسي بين مصير "الميكانيزم" واتساع هامش المخاطر في الجنوب.
ومن وجهة نظره، فإن غياب الإطار التفاوضي المنظم يفتح المجال أمام إدارة أمنية أحادية، تتقدم فيها الحسابات العسكرية الإسرائيلية على أي اعتبارات سياسية أو إنسانية.
هذا الواقع، وفق المصدر، يرفع احتمالات المواجهة على نحو تراكمي، خصوصًا في بيئة مشحونة أصلًا، حيث تُوظَّف الذرائع الأمنية لتوسيع نطاق الضغط.
ويشير المصدر إلى أن إسرائيل لا تُبدي حساسية عالية تجاه استمرار الأطر متعددة الأطراف عندما لا تنتج مكاسب مباشرة، وأن انهيار "الميكانيزم" يوفر لها مساحة أوسع للتحرك من دون سقف تفاوضي، بما في ذلك توسيع دائرة العمليات في الجنوب بذريعة معالجة تهديدات قائمة.
والتقدير الدبلوماسي أن هذا المسار لا يحتاج إلى قرار حرب شامل كي يبدأ، بل إلى سلسلة خطوات محسوبة تتراكم آثارها.
في حين لم تُعقد الجولة التفاوضية التي كان من المقرر أن يلتئم فيها "الميكانيزم" في الرابع عشر من يناير/كانون الثاني الجاري، من دون صدور إعلان رسمي يحدد أسباب التأجيل أو يضع موعدًا بديلًا واضحًا.
هذا الغياب المفاجئ للاجتماع، الذي جاء بعد سلسلة لقاءات متقطعة، شكل نقطة تحول في قراءة مسار عمل اللجنة، إذ كسر نمط الانتظام النسبي الذي طبع المرحلة السابقة، وأدخل عملها في دائرة من الغموض الزمني والتنظيمي.
مصادر لبنانية مطلعة على تفاصيل التنسيق أشارت إلى أن غياب أحد المسؤولين العسكريين الدوليين المعنيين بمتابعة عمل اللجنة، وعلى رأسهم الجنرال الأمريكي كلير فيلد، المكلف بالملف، شكل عاملًا مباشرًا في التأجيل، إلى جانب تباينات قائمة بين الأطراف المشاركة حول آليات العمل وجدول الأولويات.
هذه العوامل، وفق المصادر نفسها، لم تُعالج ضمن سياق مؤسسي واضح، ما أدى إلى ترحيل الاجتماع بدل إعادة برمجته سريعًا.
في موازاة ذلك، نقلت أوساط سياسية وإعلامية عن مسؤولين لبنانيين قولهم إن الاجتماعات باتت بحكم المجمّدة حتى إشعار آخر، مع حديث متزايد عن تأجيلها إلى فبراير/شباط المقبل، رهنًا باستكمال الاتصالات وعودة ممثلين رسميين إلى بيروت.
واللافت في هذا السياق، غياب أي جدول زمني مُعلن، أو خارطة طريق تُعيد ضبط وتيرة الاجتماعات، ما عزز الانطباع بأن التأجيل لا يندرج ضمن مسار تقني مضبوط، بل يعكس تعقيدات أعمق في بنية عمل اللجنة نفسها.
وفي بيروت، يقدم مصدر سياسي لبناني متابعة دقيقة للوضع الراهن، ويقول في حديثه لـ"إرم نيوز"، إن الدولة اللبنانية تنظر إلى "الميكانيزم" باعتبارها القناة العملية الوحيدة المتاحة لإدارة الملف الحدودي في هذه المرحلة، وأن أي اهتزاز أو انهيار فيها يُفقد لبنان القدرة على تثبيت أولوياته ضمن مسار منظم.
ويوضح المصدر أن الجولات السابقة سمحت بطرح عناوين أساسية تتعلق بعودة السكان، وإعادة الإعمار، وتثبيت دور الجيش في الجنوب ضمن بيانات ومداولات رسمية.
لذا، فإن تعطل هذا المسار يضعف القدرة على تحويل الوقائع الميدانية إلى التزامات سياسية قابلة للمتابعة، وتقدير بيروت أن انهيار لجنة "الميكانيزم" سيؤدي إلى فراغ تفاوضي تُدار فيه التطورات عبر رسائل ميدانية متبادلة، مع ما يحمله ذلك من مخاطر سوء التقدير.
ويرسم المصدر السياسي اللبناني ثلاثة مسارات محتملة في حال سقط "الميكانيزم".
المسار الأول يتمثل في تصعيد أمني محدود ومتدرج، تتحول فيه حوادث الاستهداف والقصف إلى أدوات ضغط، مع اتساع نطاق العمليات وتراجع قدرة الاحتواء.
أما المسار الثاني فيقوم على فرض وقائع جديدة على الأرض من دون انفجار شامل، عبر توسيع القيود والحضور العسكري في نقاط حساسة.
بينما يرتبط المسار الثالث بتدهور سريع يقود إلى مواجهة أوسع إذا تلاقت حسابات ميدانية خاطئة مع غياب قناة تواصل.
وهنا يشير المصدر إلى أن هذه السيناريوهات تُمثل احتمالات تُناقش اليوم في أكثر من عاصمة معنية بالملف.
وكان آخر اجتماع فعلي لـ"الميكانيزم" قد عُقد في السابع من يناير/كانون الثاني، واقتصر على المستوى العسكري، من دون مشاركة الجانب المدني أو توسيع التمثيل السياسي، وهو ما عكس تراجعًا واضحًا في مستوى الانخراط مقارنة بمراحل سابقة.
وجاء هذا الاجتماع بعد فترة شهدت محاولات لتكثيف اللقاءات وتحويلها إلى مساحة أوسع للنقاش، لكنه بقي محصورًا في المسار الأمني الضيق.
في الأسابيع التي سبقت ذلك، لا سيما خلال شهر ديسمبر/كانون الأول الماضي، طُرحت مبادرات تهدف إلى توسيع طابع الاجتماعات لتشمل عناصر مدنية وتقنية، بما يسمح بنقل عمل "الميكانيزم" من مجرد مراقبة وقف الأعمال العدائية إلى مقاربة أوسع تلامس ملفات الاستقرار والعودة وإعادة الإعمار.
هذه المبادرات لم تُستكمل، وبقيت في حدود الطرح غير المُنفَّذ، ما أعاد اللجنة تدريجيًا إلى نمط اجتماعات متقطعة ومحدودة الصلاحيات.
هذا التراجع في الوتيرة والتمثيل عكس اختلالًا في المسار، حيث فقدت الاجتماعات انتظامها الزمني، وتحوّلت من لقاءات دورية إلى محطات متباعدة تُعقد عند الضرورة، من دون بنية واضحة للاستمرارية.
في حين تُراهن بيروت على مجموعة عناصر لاحتواء المخاطر، وفي مقدمتها إعادة تفعيل الاجتماعات ضمن جدول زمني واضح، ورفع مستوى التنسيق السياسي مع الأطراف الراعية، وتثبيت دور الجيش كمرجعية ميدانية المعترف بها.
ويؤكد المصدر السياسي أن لبنان يضغط باتجاه إصدار مواقف دولية أكثر وضوحًا تدعم انتظام عمل "الميكانيزم"، وتربط أي مسار أمني بعودة السكان واستقرار القرى الحدودية.
وأضاف أن استمرار هذا الإطار، حتى بحدوده الدنيا، يشكل عامل كبح للتدهور، ويمنح الدولة هامشًا لإدارة المرحلة بدل الانجرار خلف تطورات مفروضة.
ومن زاوية إقليمية، يشدد المصدر الدبلوماسي على أن استقرار الجنوب بات جزءًا من معادلة أوسع تتداخل فيها ملفات متعددة، فانهيار "الميكانيزم" يُضعف قدرة الأطراف الدولية على التدخل الوقائي، ويُسهل انتقال الملف من إدارة سياسية إلى إدارة أمنية وعسكرية مباشرة.
ويلفت إلى أن البيئة الحالية لا تحتمل فراغات طويلة، وأن أي تراجع في آليات الضبط يزيد من احتمالات الانفلات، وما يستتبعه ذلك من ذرائع جاهزة للتصعيد.
وتزامن الجمود في اجتماعات "الميكانيزم" مع تطورات ميدانية لافتة على الحدود الجنوبية، حيث رُصد استنفار متزايد للجيش اللبناني، شمل تعزيز الانتشار وتثبيت نقاط مراقبة إضافية، في ظل توترات متفرقة وحوادث أمنية محدودة.
هذه التحركات عكست استعدادًا ميدانيًا للتعامل مع مرحلة أقل قابلية للضبط، في ظل غياب قناة تفاوضية فاعلة.
من جانبه، يرى الباحث في شؤون الأمن الحدودي، مايكل هورويتز، خلال حديث لـ"إرم نيوز"، أن الخطر الحقيقي في اهتزاز "الميكانيزم" لا يرتبط بانهياره الرسمي، بل بالدخول في مرحلة تطول فيها حالة التعليق.
ووفق قراءته، فإن هذه المرحلة تُنتج ديناميكية خطرة، لأنها تُفكك العلاقة بين القرار السياسي والإيقاع الميداني، وتترك المجال مفتوحًا أمام تفسيرات أمنية متشددة للوقائع اليومية.
كما يلفت هورويتز إلى أن غياب إطار تفاوضي نشط قد لا يؤدي تلقائيًا إلى مواجهة واسعة، لكنه يخلق بيئة تتراجع فيها كوابح التصعيد، ويزداد فيها الاعتماد على التقدير العسكري القصير الأمد بدل الحسابات السياسية الأوسع.
ويضيف أن التجارب السابقة في نزاعات مشابهة تُظهر أن لجان المتابعة، حتى عندما تكون محدودة الفاعلية، تؤدي وظيفة أساسية تتمثل في إبطاء التدهور.
لذا فإن تعطل هذه الوظيفة يرفع احتمالات الانتقال من احتكاكات موضعية إلى أنماط ضغط أوسع، خصوصًا حين تصبح الساحة الحدودية مساحة اختبار للردع.
ومن هذا المنطلق، يعتبر هورويتز أن استمرار "الميكانيزم" يشكل عنصر استقرار نسبي، لأنه يمنع تحول النزاع إلى مسار مفتوح بلا ضوابط.
بدوره، اعتبر المحلل السياسي مروان قدوم، خلال حديث لـ"إرم نيوز"، أن غياب آلية الميكانيزم لا يُضعف فقط قدرة لبنان على إدارة الملف الحدودي، بل يغير أيضًا طريقة تعامل الفاعلين الدوليين مع الوضع جنوبًا.
وبرأيه، فإن وجود لجنة عاملة يفرض حدًا أدنى من الانخراط الدولي، ويجبر الأطراف الخارجية على التعامل مع التطورات ضمن سياق منظم، أما اختفاء هذا السياق، فيدفع الملف تدريجيًا إلى الهامش، حيث تُدار التطورات وفق منطق الأزمات المتلاحقة وليس وفق مسار سياسي قابل للمتابعة.
ويوضح قدوم أن هذا التحول ينعكس على طبيعة القرارات المتخذة إقليميًا، إذ تتراجع المقاربة الوقائية لمصلحة ردود الفعل، وفي مثل هذا المناخ، تصبح الحسابات الأمنية أكثر حضورًا، وتتقلص المساحات المتاحة للتدخل السياسي المبكر.
ويرى أن الحفاظ على "الميكانيزم" لا يتصل فقط بالوضع الحدودي المباشر، إنما بمكانة لبنان داخل شبكة الاهتمام الدولي، حيث يُشكل استمرار اللجنة مؤشرًا على أن الملف لا يزال قيد الإدارة.