لم تعد المسيرات المليونية التي يشهدها الجنوب اليمني مجرد حشود عاطفية أو تظاهرات موسمية، بل تحولت إلى أداة ضغط سياسي فاعلة، تعكس تصاعد دور الشارع الجنوبي بوصفه لاعبًا رئيسيًّا في صياغة المعادلة السياسية، ومرجعية لا يُمكن تجاوزها في تقرير مصير القضية الجنوبية، وفق خبراء.
وخلال الأسابيع الماضية، أعادت ساحات عدن وحضرموت وبعض المدن الرئيسية في المحافظات الجنوبية الأخرى، تكريس هذا الحضور اللافت، عبر حشود غير مسبوقة حملت رسائل واضحة للداخل والخارج، مفادها أن الرأي العام الجنوبي بات أكثر وعيًا بطبيعة المرحلة وتعقيداتها، وأكثر تمسكًا بخياراته السياسية، وفي مقدمتها تفويض المجلس الانتقالي الجنوبي ورئيسه عيدروس الزبيدي لتمثيل تطلعات شعب الجنوب.
في هذا السياق، يؤكد الكاتب والمحلل السياسي أسامة بن فائض، أن الشارع الجنوبي وصل إلى مرحلة متقدمة من الإدراك السياسي، جعله أكثر قدرة على قراءة المخاطر المحيطة بقضيته والتعامل مع متغيرات المشهد الإقليمي والدولي.
وقال بن فائض، في حديثه لـ"إرم نيوز"، إن "الشارع الجنوبي أصبح اليوم متمكنًا ومتيقنًا من المخاطر المحدقة به، ويمتلك وعيًا سياسيًّا متزايدًا بسلوك العمل السياسي، وإيمانًا عميقًا بعدالة قضيته وأهمية تأثير الإرادة الشعبية في مسار القرارات".
وأضاف بن فائض، أن الحشود المليونية التي شهدتها عدن وحضرموت لم يسبق لها مثيل من حيث الكثافة والتنظيم، معتبرًا أنها "عبّرت بوضوح عن تجديد التفويض الشعبي للمجلس الانتقالي الجنوبي ورئيسه المفوض عيدروس الزبيدي"، ورسّخت قناعة الشارع بأن "الحق هو ما يصنع القوة، وليس العكس".
ووفق بن فائض، فإن هذه المليونيات لم تكن مجرد رد فعل، بل جاءت كرسالة سياسية مزدوجة، أولًا لتأكيد شرعية التمثيل، وثانيًا لرفض ما يصفه الجنوبيون بمحاولات تشويه قيادتهم السياسية أو تجاوز إرادتهم الشعبية.
وشهدت عدن، بوصفها عاصمة القرار السياسي، وحضرموت كعاصمة اقتصادية، ما وُصف بـ"انفجار ثوري غير مسبوق"، أدان قصف القوات المسلحة الجنوبية، ورفض الحملات الإعلامية والسياسية التي تستهدف قيادة المجلس الانتقالي، في مشهد عكس وحدة الموقف الشعبي وتماسكه.
وأشار بن فائض، إلى أن هذا الزخم الشعبي يبعث برسالة مباشرة للرأي العام الإقليمي والدولي، لتوضيح من يملك تفويض الحديث باسم شعب الجنوب، ومن يرفضه الجنوبيون، مؤكدًا أن الشارع سيواصل حضوره في الساحات "حتى يتم التعاطي مع القضية الجنوبية كقضية سياسية عادلة لا يُمكن تجاوزها".
من جانبه، يرى الإعلامي في المجلس الانتقالي في وادي وصحراء حضرموت أمجد يسلم صبيح، أن الشعب الجنوبي أثبت عبر حضوره المتكرر في الميادين، أنه لم يكن يومًا رقمًا هامشيًّا في معادلات السياسة، ولن يكون، بحسبه.
وقال صبيح، إن "القضية الجنوبية لم تُصنع في غرف مغلقة، بل وُلدت من وجع الناس وإرادتهم الحرة"، مُشدّدًا على أن كل محاولات كسر إرادة الجنوبيين أو إنهاكهم "فشلت أمام صمودِ شعبٍ خبر الخذلان كما خبر المقاومة" وفق تعبيره.
وأضاف صبيح، أن "التفويض الشعبي الذي تمنحه هذه المليونيات ليس شعارًا مؤقتًا، بل موقف متجدّد، يُترجم حضورًا جماهيريًّا ثابتًا سياسيًّا في مواجهة ما يعتبره الجنوبيون محاولات التفاف على قضيتهم".
وتتفق قراءات المراقبين على أن الشارع الجنوبي بات يُمارس دور "الضامن السياسي" لمسار القضية، عبر استمرار الضغط الشعبي ورفض أي حلول أو حوارات لا تستند إلى رعاية دولية. وإقليمية عادلة، ولا تنطلق من الاعتراف بحقوق الجنوبيين السياسية، فقط.
وفي هذا الإطار، يؤكد بن فائض أن الشارع الجنوبي "لن يتزحزح عن مطالبه، ولن يتوقف عن الخروج إلى الساحات"، ما لم يتم فتح ملف الانتهاكات العسكرية والإنسانية التي تعرضت لها القوات الجنوبية والمدنيون، والنظر الجاد في قضية الجنوب، باعتبارها قضية تقرير مصير لا تقبل الوصاية أو فرض الأمر الواقع، على حدّ قوله.
بدوره، يخلص صبيح إلى أن الطريق قد يكون طويلًا ومثقلًا بالتضحيات، لكن نهايته واضحة بالنسبة للجنوبيين، قائلًا: "القضايا العادلة لا تموت، وإرادة الشعوب لا تُهزم، واستعادة دولة الجنوب كاملة السيادة باتت هدفًا راسخًا بإرادة شعبها وثباته".