بات الاحتشاد الشعبي في جنوبي اليمن أداة مباشرة للتعبير عن سخط الشارع ورغبته في حماية ثوابت قضيته ومكتسباته الوطنية، في مواجهة ما يصفه الجنوبيون بـ"محاولات الالتفاف والاستهداف السياسي" التي يقودها رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي.
وعبّر عشرات الآلاف من الجنوبيين، الجمعة الماضي، في فعالية شعبية غير مسبوقة بالعاصمة المؤقتة عدن، عن تمسّكهم بالمجلس الانتقالي الجنوبي بوصفه الحامل السياسي للقضية الجنوبية، ورفضهم القاطع لأي مساعٍ لتفكيكه أو استبداله أو تجاوز شرعيته الشعبية، مؤكدين حقهم في "استعادة الدولة كحق غير قابل للمصادرة أو التأجيل".
كما أعلن المحتشدون تأييدهم للبيان السياسي الصادر عن رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، عيدروس الزبيدي، مطلع العام الجاري، والذي دعا إلى مرحلة انتقالية متدرجة تمتد لعامين، يتبعها استفتاء شعبي لتقرير مصير الجنوب.
ويأتي هذا الحراك الشعبي في ظل توتر شديد داخل معسكر الشرعية، مع استمرار العليمي في إصدار قرارات يصفها الجنوبيون بـ"الأحادية"، معتبرين أنها تهدف إلى تقليص التمثيل الجنوبي في مجلس القيادة الرئاسي والحكومة، وتضرب مبدأ الشراكة الذي نصّ عليه إعلان نقل السلطة.
وقال المتحدث الرسمي باسم المجلس الانتقالي الجنوبي، أنور التميمي، إن عفوية الجماهير المحتشدة في عدن ومحافظات الجنوب الأخرى تعكس إدراك الشارع لحساسية المرحلة وخطورتها؛ ما يستدعي الخروج إلى الميدان لحماية القضية الجنوبية، وإرسال رسائل واضحة لواهمين باستحالة تجاوزها واستبعاد حاملها السياسي.
وأوضح التميمي لـ"إرم نيوز"، أن محاولات تكريس حالة الإحباط لدى الشارع الجنوبي وإبقائه دون حامل سياسي حقيقي، قد تجعله عرضة للاستقطاب من قوى لا تسعى إلى مسارات آمنة تضمن الاستقرار في المنطقة.
وحذر من استمرار بعض الأطراف في الالتفاف على القضية الجنوبية، معتبرا أن ذلك قد يؤدي إلى صدام مباشر مع جماهير غاضبة ومتمسكة بتطلعاتها التي راكمتها على مدى عقود.
وشدد التميمي على الدور المحوري للمجلس الانتقالي الجنوبي في ضبط الشارع والتعبير عن غضبه ضمن أطر سياسية منظمة، مشيرا إلى أن المجلس "مرّ بمخاض سياسي طويل، وأصبح اليوم جزءا من البنية السياسية والأمنية في اليمن والمنطقة".
وأضاف أن ما يجري في الشارع الجنوبي ليس مجرد ضغط مؤقت، بل حالة وطنية جماهيرية دائمة وحقيقية ويجب التعاطي معها عبر القوى السياسية التي تمثلها فعليا.
وأكد أن تعقيدات الوضع الداخلي وحساسية اللحظة الإقليمية "لا تحتمل أي مغامرات"، في إشارة إلى الدعوات الرامية إلى تشكيل حوامل سياسية بديلة، واصفًا إياها بـ"غير الواقعية في ظل الحاجة الملحّة إلى الاستقرار".
وخلال الأيام الماضية، أسقط رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، عضويتي رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي عيدروس الزبيدي ونائبه فرج البحسني من المجلس الرئاسي، كما استبعد وزيرين محسوبين على الانتقالي من الحكومة، قبل أن يُكلف وزير الخارجية بتشكيل حكومة جديدة، في خطوة اعتُبرت خروجا عن الصيغة التوافقية التي أُنشئ بموجبها مجلس القيادة.
ويرى المحلل السياسي والعسكري، العقيد محسن الخضر، أن الاحتشاد الجماهيري يتجاوز كونه تعبيرا احتجاجيا داخليا، ليحمل دلالات سياسية مباشرة موجهة إلى رئاسة مجلس القيادة الرئاسي، مفادها أن إدارة المرحلة الانتقالية خارج إطار التوافق أو عبر القرارات الأحادية "لن تمرّ دون كلفة سياسية وشعبية متصاعدة".
وأوضح الخضر لـ"إرم نيوز" أن هذا الحراك يعكس هشاشة البنية الداخلية للمجلس الرئاسي، وعجزه حتى الآن عن بلورة رؤية جامعة لإدارة الخلافات بين مكوناته، أو تحويل التباينات القائمة إلى نقاش مؤسسي منضبط يحفظ الشراكة ويمنع الانزلاق نحو التفرد بالقرار.
وبيّن أن احتشاد عدن يجسّد وعي الشارع الجنوبي بطبيعة المرحلة، إذ لم يعد الخلاف محصورا في إجراءات إدارية أو مناصب سلطوية، بل بات يمس جوهر التمثيل السياسي للقضية الجنوبية، ومحاولة إعادة تهميشها واختزالها في ترتيبات لا تعكس ثقلها الشعبي والسياسي على الأرض؛ ما يجعل الحراك عامل ضغط حقيقي في المعادلة القادمة.
من جهته، يرى الباحث السياسي طه بافضل أن أبرز الخيارات المتاحة أمام الجنوبيين تتمثل في تعزيز الاصطفاف الداخلي حول مشروع وطني جنوبي جامع، يتجاوز الحسابات الفئوية والمناطقية، ويعيد الاعتبار للقضية الجنوبية كقضية شعب يسعى لاستعادة دولته.
ودعا بافضل إلى الانفتاح على القوى الوطنية في الشمال "التي تشارك الجنوب رفضها للحوثي والوصاية، لبناء جبهة سياسية عريضة تفرض معادلة جديدة على طاولة الحلّ".
واختتم حديثه بالتأكيد على ضرورة استثمار الجنوبيين في الوعي الشعبي، عبر الإعلام والتعليم والمجتمع المدني، لتحصين المجتمع وترسيخ قيم الدولة والعدالة والمواطنة.