دخل العراق منعطفًا سياسيًّا حرجًا مع تجاوز المهلة الدستورية المحددة لتكليف رئيس مجلس الوزراء، في ظل عجز قوى "الإطار الشيعي" عن حسم مرشحها، وهو ما أعاد إلى الواجهة سيناريوهات معقدة تتراوح بين استمرار الانسداد السياسي، أو الذهاب نحو خيارات استثنائية، من بينها طرح إجراء انتخابات مبكرة كأحد المخارج المحتملة للأزمة.
وكان انتخاب نزار آميدي رئيسًا للجمهورية في الـ11 من أبريل/نيسان أطلق العد التنازلي للمهلة الدستورية المنصوص عليها في المادة 76 من الدستور، والتي تلزم رئيس الجمهورية بتكليف مرشح الكتلة النيابية الأكثر عددًا خلال 15 يوماً، إلا أن هذه المهلة انقضت دون اتفاق سياسي؛ ما فتح الباب أمام تفسيرات متعددة حول طبيعة المرحلة التالية.
وبحسب المعطيات، فإن تجاوز السقف الزمني لم يُحدث صدمة داخل الأوساط الحاكمة، في ظل ما يصفه مراقبون بـ"المرونة العراقية" في التعامل مع الخروقات الدستورية، والتي سبق أن ظهرت في تأخر انتخاب رئيس الجمهورية نفسه لأكثر من شهرين، دون أن تترتب عليها تبعات قانونية واضحة.
وتشير الخلافات بشكل رئيسي إلى الانقسام بين معسكرين داخل الإطار؛ الأول يدعم تجديد ولاية رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني، مدعومًا من قوى بارزة، فيما يتمسك ائتلاف "دولة القانون" بزعامة نوري المالكي بترشيحه، رافضًا الانسحاب أو القبول بمرشح بديل، وهو ما عمَّق حالة الانسداد.
في هذا السياق، قال عضو ائتلاف الإعمار والتنمية (برئاسة السوداني) خالد وليد: إن "ائتلافنا يؤكد ضرورة الواقعية في قراءة المشهد السياسي، فالتجارب السابقة، ومنها عدم تمرير مرشحين رغم نيلهم أصواتًا داخل الإطار، أثبتت أن تجاوز التحفظات الداخلية والمقبولية الوطنية أمر متعذر".
وأضاف وليد لـ"إرم نيوز" أن "ائتلافه يتمسك بترشيح محمد شياع السوداني باعتباره الاستحقاق الانتخابي الأول، واحترامًا لإرادة الجمهور"، محذرًا من أن "أي نكوص نحو خيارات التسوية أو الانتخابات المبكرة سيعمق أزمة الثقة بالعملية السياسية ويصادر حقوق القوائم الفائزة".
وبالتوازي مع استمرار التعثر، برز خلال الاجتماعات المغلقة داخل الإطار التنسيقي طرح يتعلق بإمكانية اللجوء إلى انتخابات مبكرة كخيار بديل في حال استمرار الفشل في التوصل إلى مرشح توافقي، وفق ما كشفه مصدر سياسي مطلع.
وقال المصدر، الذي طلب حجب اسمه، لـ"إرم نيوز" إن "ائتلاف دولة القانون طرح خلال أحد الاجتماعات الأخيرة مسار الذهاب إلى انتخابات مبكرة، على أمل إعادة تشكيل المشهد السياسي وكسر حالة الانسداد الحالية"، مبينًا أن "هذا المقترح لم يحظ بقبول واسع داخل الإطار، إذ قوبل برفض من أغلب القيادات التي اعتبرته خيارًا محفوفًا بالمخاطر".
وأضاف المصدر أن "القوى الرافضة ترى أن الذهاب إلى انتخابات جديدة في ظل الأوضاع الحالية، سواء من حيث البيئة السياسية أو الثقة الشعبية، قد يؤدي إلى نتائج أكثر تعقيدًا، بدلًا من حل الأزمة"، لافتًا إلى أن "الطرح لا يزال في إطار النقاشات الأولية ولم يتحوّل إلى خيار عملي حتى الآن".
وعلى المستوى القانوني، يطرح تجاوز المهلة الدستورية إشكاليات متعددة، أبرزها غياب نص صريح يحدد الإجراءات الواجب اتخاذها في حال عدم تقديم مرشح ضمن التوقيتات المحددة؛ ما يفتح المجال أمام تدخل المحكمة الاتحادية لتفسير النصوص الدستورية.
كما أن خيار تشكيل "كتلة أكبر جديدة"، الذي طُرح كأحد الحلول، يواجه عقبات قانونية، تتعلق بطبيعة الكتلة المسجلة رسميًّا في البرلمان، وآلية تقديم المرشح، في ظل غياب هيكل تنظيمي واضح للكتلة الكبرى، وهو ما يجعل هذا المسار معقدًا من الناحية الإجرائية.
وفي ظل هذه التعقيدات، يرى مراقبون، أن خيار "مرشح التسوية" يظل مطروحًا بقوة، رغم رفض بعض الأطراف له، باعتباره مخرجًا تقليديًّا للأزمات السياسية في العراق.
بدوره، قال الباحث السياسي محمد التميمي إن "الحديث عن انتخابات مبكرة في هذا التوقيت يؤشر على عمق الخلافات داخل القوى السياسية، ولا سيما داخل الإطار التنسيقي، الذي لم يعد قادرًا على إنتاج توافق داخلي بشأن أبسط الاستحقاقات الدستورية".
وأضاف التميمي لـ"إرم نيوز" أن "اللجوء إلى هذا الخيار لا يرتبط برغبة حقيقية في إعادة إنتاج العملية السياسية، بقدر ما يعكس محاولة للهروب من الأزمة الحالية، وهو ما قد يؤدي إلى تعقيد المشهد أكثر، خاصة في ظل ضعف الثقة الشعبية بالانتخابات".
ومع استمرار الانسداد، تتجه الأنظار إلى جملة من السيناريوهات، أبرزها استمرار التفاوض المفتوح بين قوى الإطار رغم تجاوز المدة الدستورية، أو الذهاب نحو مرشح تسوية لتفادي الانهيار الكامل للمسار السياسي.
في المقابل، يبقى احتمال الدخول في فراغ سياسي طويل قائمًا، في حال تعذر التوصل إلى اتفاق، وهو سيناريو يعيد إلى الأذهان تجربة ما بعد انتخابات 2021، حين استمر التعطيل لأشهر قبل التوصل إلى تسوية سياسية.