وزارة الصحة اللبنانية: الهجمات الإسرائيلية تسفر حتى 16 أبريل عن 2294 قتيلا و7544 مصابا
تحركت الجبهة اللبنانية في الأيام الأخيرة داخل حساب إقليمي أوسع من حدودها المباشرة، فارتبط هدوء الجنوب بمسار الحرب في إيران، كما ارتبط ضبط النار على الحدود بحركة الضغط في هرمز والعراق، وصار لبنان جزءًا من ترتيب سياسي وعسكري يوزع الجبهات وفق الأولوية والقدرة والكلفة، كما رفع هذا التحول قيمة الجنوب من ساحة تماس إلى ورقة مؤثرة في توقيت الإقليم كله.
في حين تضع طهران الجبهة اللبنانية داخل سلّة واحدة تربط مفاوضاتها المتعثرة مع واشنطن بشبكة أذرعها في المنطقة وبأمن الممرات البحرية، وبالضغط المتبادل مع إسرائيل والولايات المتحدة، لذلك يكتسب الجنوب حضورًا أكبر في الحسابات المرتبطة بطهران خلال هذه المرحلة؛ لأن هذه الجبهة تمس إسرائيل وتضيف عنصرًا ضاغطًا على حسابات المواجهة الجارية، إذ دخلت التهدئة في لبنان ضمن ترتيب إقليمي أوسع يرتبط بمسار الحرب في إيران وبالضغط الدائر في الإقليم.
خارج التوقيت الإيراني
قال الباحث السياسي المتخصص في الشؤون الإيرانية حسن راضي، خلال حديثه لـ"إرم نيوز"، إن التطورات الأخيرة أظهرت تراجع قدرة طهران على الإمساك بالورقة اللبنانية كما كان الحال في مراحل سابقة، موضحًا أن إيران دخلت الجولة الأولى من التفاوض مع واشنطن بعدما رفعت شرطًا يتعلق بوقف إطلاق النار في لبنان، ثم مضت في التفاوض من دون أن يتحقق هذا الشرط في توقيته الذي أرادته، وهو ما يشي، وفق قراءته، بأن الجبهة اللبنانية لم تعد تتحرك بالكامل وفق الإيقاع الإيراني، وأن الملف اللبناني خرج جزئيًّا من المسار الذي حاولت طهران ضبطه عبر حزب الله.
ومن هذه النقطة تحديدًا تغيّرت طريقة قراءة الجبهة اللبنانية في الإقليم؛ لأن أي هدوء على الحدود أو أي عودة إلى التوتر لم يعد يُفهم في معناه اللبناني الضيق، بل يدخل فورًا في حساب أوسع يتصل بمسار الحرب والمفاوضات الإقليمية وبحركة الضغط في هرمز والعراق، وهذا التحول يرفع الوزن السياسي لأي تطور ميداني في الجنوب ويمنحه أثرًا يتجاوز حدوده المباشرة.
وتضع هذه القراءة الجبهة اللبنانية داخل حساب إقليمي أوسع تشارك فيه قوى متعددة، وتربط أي هدوء على الحدود أو أي عودة إلى التوتر بحركة الضغط بين الساحات المفتوحة في المنطقة، وبالاشتباك الدائر من هرمز إلى العراق، وبالمسار السياسي والعسكري الذي يحيط بهذه المرحلة كلها.
واشنطن تعيد ترتيب الجبهات
في المقابل تدفع واشنطن في هذا التوقيت نحو ضبط الساحات التي تملك قدرة على توسيع الاشتباك وتعطيل أي مسار سياسي، ولهذا جاء الجنوب اللبناني في مرتبة متقدمة داخل جدولها الإقليمي، فالإدارة الأمريكية تحتاج جبهة أكثر انضباطًا عند متابعة الضغط على إيران، وتحتاج أيضًا هامشًا يسمح لها بتركيز الجهد في الملفات التي تمس الطاقة والممرات البحرية والانتشار العسكري.
ومن هنا اكتسبت التهدئة على الحدود اللبنانية قيمة تتجاوز الإطار الثنائي مع إسرائيل؛ لأن خفض النار في الجنوب يخفف عبئًا عن القرار الأمريكي، ويمنحه قدرة أعلى على توزيع القوة والوساطة والضغط بين ملفات هرمز والعراق في توقيت واحد، ويمنع تداخل الساحات على نحو يربك حساب الكلفة والنتائج.
من جانبه أضاف راضي أن المسار الذي تولته الحكومة اللبنانية في التفاوض المباشر مع إسرائيل برعاية أمريكية حمل دلالة سياسية واضحة؛ لأن وقف إطلاق النار لم يخرج هذه المرة من تفاهم يديره حزب الله أو تفرضه طهران، بل من مسار تفاوضي ارتبط بالحكومة اللبنانية وبالوساطة الأمريكية، وهذا التطور، بحسب تقديره، كشف تراجع القدرة الإيرانية على ربط توقيت التهدئة في لبنان بشروطها الخاصة، حتى لو حاولت لاحقًا التعامل مع توقف الجبهة الجنوبية على أنه عنصر يخدم موقعها التفاوضي الأوسع.
ضغوط الأمن والطاقة
بينما تنظر إسرائيل إلى لبنان من زاوية الأمن المباشر ومن زاوية العبء المتراكم على قرارها العسكري والسياسي، فالجنوب يفرض عليها جبهة مكلفة تستنزف الجيش وتضغط على الشمال وتفتح احتمال التمدد إلى مواجهة أوسع؛ لذلك تُدرج تل أبيب التهدئة الحالية ضمن ترتيب أولوياتها في مرحلة تتوزع فيها الضغوط بين أكثر من جبهة.
في حين فرض مضيق هرمز على القوى المنخرطة في الصراع إعادة ترتيب أولوياتها بسرعة؛ لأن الضغط على الملاحة والطاقة رفع الكلفة العالمية للحرب، ودفع العواصم الكبرى إلى البحث عن مساحات يمكن التحكم بها من أجل منع انتقال التوتر إلى مستويات أعلى، وهنا ارتفعت قيمة الجبهة اللبنانية؛ لأن الجنوب يقدّم ساحة يمكن ضبطها سياسيًا وعسكريًا بدرجة أعلى من ساحات أخرى؛ ولهذا دخل لبنان في حساب أوسع يتصل بالطاقة والأمن معًا.
ميزان إقليمي متحرك
كذلك أوضح راضي أن التهدئة الحالية قد تستمر خلال المرحلة القريبة إذا واصل المسار التفاوضي مع واشنطن التقدم، لكنه أبقى احتمال المناورة الإيرانية قائمًا إذا تعثر هذا المسار أو تبدلت الشروط الأمريكية، معتبرًا أن طهران تحاول الاستفادة سياسيًّا من هدوء الجنوب في هذه المرحلة، رغم أن هذا الهدوء لم ينشأ من قرار إيراني خالص، ولم يأتِ من مسار تفاوضي أمسك به حزب الله أو فرضته طهران على الأطراف الأخرى.
بهذا المعنى، دخل الجنوب اللبناني مرحلة جديدة من القراءة السياسية، فصار هدوؤه وتوتره جزءًا من ميزان إقليمي أوسع، وصار أي تبدل في جبهته يُفهم ضمن حركة الضغط بين هرمز والعراق ومسار الحرب في إيران، وهذا ما رفع موقع لبنان داخل حساب لا يقرره طرف واحد، لكنه يربط الجبهة اللبنانية على نحو أوثق من السابق بسلة الصراع الدائرة في الإقليم.