تتصاعد في إسرائيل مخاوف متزايدة من تراجع نفوذها داخل واشنطن، في ظل تحولات لافتة في مواقف النخبة السياسية الأمريكية، كشفت عنها نتائج تصويت حديث في مجلس الشيوخ، أعاد طرح تساؤلات حول مستقبل الدعم العسكري الأمريكي لتل أبيب، ومدى استمرارية ما كان يُعرف لعقود بـ"الإجماع الحزبي" الداعم لإسرائيل.
وبحسب افتتاحية نشرتها صحيفة "جيروزاليم بوست"، فإن محاولة مجلس الشيوخ منع صفقات سلاح لإسرائيل، رغم فشلها، تحمل مؤشرات مقلقة، إذ قاد السيناتور بيرني ساندرز مشروع قرار لاستهداف بيع جرافات عسكرية ثقيلة وقنابل، ورغم إسقاطه بأغلبية 59 مقابل 40 فيما يتعلق بالجرافات، و63 مقابل 36 فيما يتعلق بالقنابل، فإن الأرقام تخفي تحولاً أعمقَ في مواقف الحزب الديمقراطي.
وتشير البيانات إلى تصاعد لافت في عدد الديمقراطيين المؤيدين لتقييد الدعم العسكري، حيث ارتفع عددهم من نحو 18 أو 19 عضواً في 2024 إلى ما يقارب 40 من أصل 47 سيناتوراً ديمقراطياً في التصويت الأخير، أي نحو 85% من الكتلة الديمقراطية، وهو ما اعتبرته الصحيفة مؤشراً على تآكل الدعم التقليدي داخل التيار الرئيس للحزب، وليس فقط جناحه التقدمي.
ويكتسب هذا التحول دلالة أكبر مع انضمام شخصيات بارزة كانت تُعد تقليدياً داعمة لإسرائيل، مثل: كوري بوكر، وجون أوسوف، وآدم شيف، إلى صف المؤيدين لفرض قيود على السلاح، ما يعكس تغيراً في المزاج السياسي داخل واشنطن، وانتقال النقاش من دعم غير مشروط إلى مقاربة أكثر تشدداً تربط المساعدات بشروط سياسية.
وترى الصحيفة أن الخطر لا يكمن فقط في احتمال خسارة أنواع محددة من الأسلحة، بل في فقدان "قابلية التنبؤ" التي لطالما شكلت أساس العقيدة الأمنية الإسرائيلية، إذ لم يعد بالإمكان بناء الإستراتيجيات العسكرية على افتراض استمرار الدعم الأمريكي، في ظل تأثر القرار السياسي الأمريكي بتوازنات داخلية وضغوط انتخابية.
وفي هذا السياق، تبرز دعوات داخل إسرائيل لتسريع مسار "الاستقلال العسكري"، حيث اعتبرت الصحيفة أن خطة بقيمة 350 مليار شيكل لتعزيز التصنيع الدفاعي المحلي لم تعد خياراً، بل ضرورة إستراتيجية، تهدف إلى تقليل الاعتماد على خطوط الإنتاج الأمريكية، وضمان استمرارية العمليات العسكرية بعيداً عن تقلبات السياسة في واشنطن.
وتشمل هذه الجهود تطوير أنظمة محلية مثل منظومة "آيرون بيم" الليزرية، وإنتاج مدفعية "روئم" ذاتية الحركة، إلى جانب السعي لتصنيع مكونات حساسة مثل أنظمة التوجيه للذخائر الذكية، ومعدات هندسية ثقيلة، التي أصبحت محل جدل داخل الكونغرس.
وتؤكد الصحيفة أن تحقيق "الاستقلال الحديدي"، كما وصفته، لا يعني القطيعة مع الولايات المتحدة، بل قد يعزز الشراكة على أساس أكثر توازناً، يقوم على القوة والمصالح المشتركة، بدلاً من الاعتماد الكامل، خاصة في ظل تحول الأجيال السياسية الأمريكية، حيث لم يعد الدعم لإسرائيل يُنظر إليه بالمنظور نفسه الذي ساد في عقود سابقة.
في المحصلة، تعكس نتائج التصويت الأخيرة تحولا تدريجياً لكنه عميق في البيئة السياسية الأمريكية، ما يدفع إسرائيل إلى إعادة تقييم إستراتيجيتها الأمنية، والاستعداد لمرحلة قد لا يكون فيها الدعم الأمريكي مضموناً كما كان في السابق.