وزارة الدفاع العراقية: سقوط طائرة مسيرة داخل حقل مجنون النفطي دون أن تنفجر
يرى خبراء في الشأن السياسي العراقي أن أزمة منصب رئيس الوزراء دخلت مرحلة أكثر تعقيداً، مع تداخل واضح بين الحسابات الداخلية والحرب الإقليمية، في ظل استمرار الانسداد السياسي منذ أشهر، وتزايد المؤشرات على أن القرار النهائي يتأثر بمسارات تفاوضية أوسع بين واشنطن وطهران.
ويأتي ذلك في وقت فشلت فيه القوى السياسية في حسم الاستحقاقات الدستورية، إذ لم يُنتخب رئيس للجمهورية حتى الآن، برغم إجراء الانتخابات الأخيرة في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، ما أبقى ملف تكليف رئيس الوزراء معلقاً، بالتزامن مع تصاعد الضغوط الأمريكية، والتلويح بإجراءات قد تطال العراق في حال المضي بترشيح رئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي.
قال الباحث في الشؤون السياسية علي الحبيب، إن "ترشيح نوري المالكي تحول إلى ورقة تفاوض إيرانية خالصة مع الولايات المتحدة، خصوصاً مع تزامن الإصرار على هذا الترشيح مع لحظة تفاوض إقليمي حساسة تتعلق بإنهاء الحرب وإعادة توزيع النفوذ في المنطقة".
وأضاف الحبيب، لـ"إرم نيوز"، أن "رئاسة الحكومة في بغداد لم تعد قراراً عراقياً داخلياً بالكامل، بل أصبحت جزءاً من سلة تفاوض تشمل ملفات أكبر، مثل النفوذ الإقليمي والملف النووي، حيث يتم توظيف هذا الترشيح لتعزيز موقع طهران في مواجهة واشنطن".
وفي السياق ذاته، برزت مؤشرات على إعادة تموضع داخل بعض القوى الشيعية، التي باتت تميل إلى خيار البحث عن بدائل أقل إثارة للجدل، تضمن الحفاظ على التوازن في العلاقة مع واشنطن، دون خسارة الغطاء الإقليمي الذي توفره طهران، وهو ما يضع ترشيح المالكي أمام اختبار سياسي حقيقي داخل بيئته الحاضنة.
كما أن غياب المالكي عن الاجتماع الأخير للإطار التنسيقي، زاد من حجم الشكوك بشأن مستقبل ترشيحه، في وقت تشير فيه تسريبات إلى أن الاجتماع كان مخصصاً لمناقشة سحب اسمه، قبل أن تؤدي التطورات الأمنية الأخيرة، لا سيما القصف الذي طال مواقع عسكرية داخل العراق، إلى تأجيل الحسم مرة أخرى.
وفي هذا السياق، كشف سياسي مقرب من الإطار التنسيقي، أن "الخلاف داخل الإطار لم يعد فقط على اسم المرشح، بل على شكل المرحلة المقبلة بالكامل، حيث طُرحت خلال الاجتماعات الأخيرة أكثر من صيغة، بينها خيار الإبقاء على حكومة تصريف الأعمال لفترة أطول، أو الذهاب إلى مرشح تسوية مؤقت يضمن تهدئة الضغوط الخارجية".
وأضاف السياسي، الذي طلب حجب اسمه، لـ"إرم نيوز"، أن "بعض قادة الإطار طرحوا بشكل غير رسمي فكرة استبعاد الأسماء الجدلية، مقابل التوافق على شخصية أقل حضوراً سياسياً، قادرة على تمرير المرحلة الحساسة، خصوصاً مع تصاعد القلق من اتساع الاستهدافات داخل العراق، وعدم وجود ضمانات لاستقرار أمني في المدى القريب".
وهذا التأجيل لا يبدو – وفق مراقبين - عجزاً بقدر ما هو خيار سياسي مدروس، حيث تستخدم بعض القوى عامل الوقت لتحسين شروط التفاوض، سواء داخل الإطار التنسيقي أو في العلاقة مع الأطراف الخارجية، خصوصاً أن الحرب الدائرة في المنطقة أوجدت واقعاً جديداً، باتت فيه الحكومات تُقاس بقدرتها على إدارة الأزمات الأمنية والسياسية.
وفي المقابل، تواجه القوى السياسية تحدياً مزدوجاً، يتمثل في الحفاظ على التوازن الداخلي، ومنع انزلاق البلاد إلى مزيد من التصعيد، خاصة مع تزايد الهجمات داخل العراق، واستمرار استهداف مواقع عسكرية، وهو ما يضع أي حكومة مقبلة أمام ضغوط كبيرة، تتطلب قرارات حساسة على المستويين الأمني والسياسي.
كما أن التلويح الأمريكي المتكرر بوقف الدعم أو فرض عقوبات في حال تمرير المالكي، ألقى بثقله على مسار المفاوضات الداخلية، إذ تدرك القوى السياسية أن أي تصعيد مع واشنطن قد ينعكس على ملفات حيوية، مثل الاقتصاد والطاقة والتحويلات المالية، ما يدفع بعض الأطراف إلى تبني مقاربات أكثر براغماتية في اختيار المرشح المقبل.
في المقابل، لا تزال قوى أخرى، وتحديداً الفصائل المسلحة، ترى أن التراجع عن ترشيح المالكي قد يُفسر كتنازل أمام الضغوط الخارجية، وهو ما يخلق معادلة مرتبكة بين الحفاظ على "السيادة" من جهة، وتجنب كلفة المواجهة مع القوى الدولية من جهة أخرى.
وتتصاعد التحذيرات في العراق من استمرار الأزمة في ظل غياب توافق داخلي حاسم، واستمرار ارتباط الملف العراقي بمسارات التفاوض الإقليمي، ما يجعل تشكيل الحكومة أقرب إلى نتيجة تسوية كبرى، وليس مجرد اتفاق بين الكتل السياسية.