أثار تكليف رجل الأعمال علي الزيدي بتشكيل الحكومة العراقية جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والشعبية، باعتباره اسماً غير تقليدي في المشهد السياسي، ولم يسبق له خوض أي تجربة انتخابية أو تقلد منصباً حكومياً، ما فتح باب التساؤلات حول أسباب اختياره وقدرته على إدارة مرحلة معقدة داخلياً وخارجياً.
وجاء تكليف الزيدي بعد أشهر من الانسداد السياسي داخل قوى "الإطار التنسيقي"، التي أخفقت في حسم مرشحها رغم عقد اجتماعات متكررة، قبل أن تتجه في نهاية المطاف إلى خيار "مرشح التسوية"، في محاولة لإنهاء الخلافات وتجاوز الضغوط المتصاعدة المرتبطة بالمهلة الدستورية.
ويعد الزيدي من الشخصيات الاقتصادية التي برزت خلال السنوات الماضية في القطاعين المصرفي والاستثماري، إذ شغل مناصب عدة، من بينها رئاسة مجلس إدارة مصرف الجنوب، إلى جانب نشاطه في شركات استثمارية وقطاع التعليم، فيما لم يُعرف عنه انخراط مباشر في العمل السياسي أو الحزبي.
وفي هذا السياق، قال القيادي في "الإعمار والتنمية" محمد الخالدي إن "الزيدي مدعوم من أغلب القوى السياسية، والمدعوم سينجح، لأنه يحتاج إلى قوانين ودعم سياسي"، مبيناً أن "المرحلة تتطلب توازناً في العلاقات، خصوصاً مع واشنطن، باعتبار ارتباط ملفات الاقتصاد والدعم العسكري والاتفاقات بها"
وأضاف الخالدي لـ"إرم نيوز" أن "السوداني كان يوازن هذا الأمر، لكن السؤال الآن هل يستطيع الزيدي تحقيق هذا التوازن أم لا، وهو أمر يتوقف على حجم الدعم السياسي الذي سيحصل عليه في المرحلة المقبلة"
ويشير هذا الطرح إلى أن اختيار الزيدي لا يرتبط فقط بشخصه، بل بحسابات أوسع تتعلق بإدارة التوازنات الداخلية والخارجية، خاصة في ظل تصاعد الضغوط الدولية على العراق، وتعقيد الملفات الاقتصادية والأمنية.
ويرى محللون أن هذا التوافق الواسع داخل الإطار التنسيقي يعكس طبيعة المرحلة أكثر من كونه رهاناً على كفاءة شخصية، إذ جاء بعد مفاوضات ماراثونية شهدت طرح عدة أسماء بارزة دون التوصل إلى اتفاق.
بدوره، قال المحلل السياسي عماد محمد إن "ترشيح الزيدي ليس بسبب خبرته السياسية، وإنما لأنه شخصية تتوافق عندها أغلب القوى"، مشيراً إلى أن "هذا الترشيح جاء من أجل وحدة الإطار ومصالحه، وليس بالضرورة لإدارة مرحلة معقدة ومراعاة المصلحة الوطنية".
وأضاف لـ"إرم نيوز" أن "خبرته السياسية محدودة، ولا يمتلك علاقات واضحة مع المحيطين العربي والدولي، وهو ما يطرح تحديات حقيقية أمامه في حال تسلمه المنصب"، مبيناً أن "المرحلة الحالية تتطلب شخصية تمتلك خبرة تراكمية في إدارة الأزمات، وقدرة على التعامل مع الضغوط الإقليمية والدولية، وهو ما قد لا يتوفر بشكل كافٍ لدى الزيدي في هذه المرحلة".
وأوضح أن "رئيس الحكومة المقبل سيكون أمام ملفات معقدة، من بينها العلاقة مع الولايات المتحدة، وضبط التوازن مع إيران، إضافة إلى إدارة الملف الاقتصادي المرتبط بالدولار والطاقة، وهذه الملفات تحتاج إلى شبكة علاقات سياسية ودبلوماسية متماسكة، وليس فقط خلفية اقتصادية أو إدارية".
وأثار هذا التوافق النادر بين قادة الإطار التنسيقي تساؤلات بشأن الدوافع التي دفعت القوى السياسية إلى تجاوز خلافاتها سريعاً، بعد أشهر من الانقسام الحاد، خاصة مع انسحاب أسماء ثقيلة من السباق وإصرار أطراف أخرى على مواقفها.
كما تزامن التكليف مع جدل واسع على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث عبّر ناشطون عن استغرابهم من الذهاب نحو شخصية من خارج الإطار السياسي التقليدي، في وقت تم فيه استبعاد أو تجاهل قيادات تمتلك خبرة طويلة في إدارة الدولة.
ويرى متابعون أن هذا الخيار قد يكون محاولة لتقديم نموذج مختلف في إدارة الحكومة، بعيداً عن الأسماء التقليدية التي ارتبطت بالأزمات السابقة، فيما يعتقد آخرون أنه مجرد حل مؤقت لاحتواء الخلافات داخل الإطار دون معالجة جذورها.
وعلى الصعيد الخارجي، لقي تكليف الزيدي ترحيباً أولياً من بعض الدول الأوروبية، من بينها فرنسا وبريطانيا، لكن غياب موقف واضح من الولايات المتحدة حتى الآن يثير تساؤلات بشأن طبيعة التعاطي المقبل مع الحكومة الجديدة، في ظل الملفات الحساسة المرتبطة بالدولار والتعاون الأمني، وصولاً إلى ملف الميليشيات المسلحة.
وراجت أحاديث في الأوساط السياسية بأن تكليف الزيدي قد لا يكون خياراً نهائياً بقدر ما هو خطوة لشراء الوقت، بعد انتهاء المهلة الدستورية لتسمية رئيس الوزراء، إذ تشير هذه الطروحات إلى أن قوى الإطار التنسيقي قد تكون سعت من خلال هذا التكليف إلى كسب فترة إضافية لإعادة ترتيب أوراقها وحسم مرشحها الفعلي.
وبحسب هذه القراءة، فإن الحكومة المقترحة قد لا تمرر داخل البرلمان، ما يفتح الباب أمام سيناريو انسحاب الزيدي أو تعثر تكليفه، تمهيداً لطرح اسم آخر يحظى بتوافق أوسع داخل الإطار، بعد استكمال التفاهمات السياسية اللازمة خلال الفترة المقبلة.