فرضت الانتهاكات التي ينفذها المستوطنون في الضفة الغربية واقعًا جديدًا ينغص حياة الفلسطينيين هناك، بالتزامن مع سياسات إسرائيلية تشرعن إقامة بؤر وتجمعات استيطانية بشكل متسارع، ما يهدد بتحول الضفة إلى مناطق معزولة ومنفصلة تمامًا عن بعضها بعضًا.
كما يواصل المستوطنون الإسرائيليون تنفيذ عمليات حرق وإتلاف لممتلكات الفلسطينيين في المناطق القريبة من المستوطنات الإسرائيلية، مستغلين تسريع الحكومة الإسرائيلية منح تراخيص سلاح لآلاف الإسرائيليين.
ينذر الواقع الجديد الذي يفرضه الاستيطان وسلوك المستوطنين في الضفة الغربية بإنهاء أي أمل لإقامة دولة فلسطينية، وفق ما تطالب به السلطة الفلسطينية، خاصة بعد إنهاء إسرائيل للوجود الرسمي الفلسطيني في مدينة القدس المحتلة، وكذلك احتلال أجزاء من قطاع غزة، ورفص أي دور للسلطة فيه.
صورة جديدة للصراع
ويرى الباحث في شؤون الاستيطان سهيل خليلة أن سلوك المستوطنين واعتداءاتهم ليس عشوائيًا، مشيرًا إلى أنه يأتي في سياق منظم وبغطاء أمني من الجيش والشرطة الإسرائيلية لتنفيذ تهجير الفلسطينيين من الضفة الغربية.
ويقول خليلية لـ"إرم نيوز": "إسرائيل تريد تحويل الصراع إلى صورة عنف بين مدنيين فلسطينيين ومدنيين إسرائيليين لتخفيف الضغوط على الجيش الإسرائيلي، إذ إن الحكومة الحالية غيرت كل مفاهيم عمل المستوطنين".
ويضيف خليلية: "المستوطنون اليوم يمتلكون القدرة على استخدام السلاح من خلال تراخيص رسمية، حيث تم منحهم أكثر من 240 ألف رخصة سلاح حتى اللحظة، مع تشجيع مباشر من مسؤولين حكوميين على استخدام هذا السلاح ضد الفلسطينيين".
وبحسب خليليلة، فإن إسرائيل تعدت موضوع الضم لمناطق الضفة الغربية، مضيفًا "إسرائيل تفضل منح المستوطنين نوعًا من الحكم الذاتي المحلي، مع خطة طويلة الأمد للإخلاء التدريجي للفلسطينيين، ثم لاحقًا خلال عقدين من الزمن ثم قد يحدث الضم".
ويشير إلى أن ما يجري ليس عنفًا عشوائيًا، بل جزء من مخطط شامل يتضمن تطوير شبكات الطرق للمستوطنين، وإنشاء البؤر الاستيطانية، وفصل التجمعات الفلسطينية عن بعضها بعضًا.
وشدد على أن كل ذلك يقطع أوصال الضفة الغربية ويمنع الفلسطينيين من إعادة الارتباط الإقليمي، ويحول هذه السياسة إلى أمر واقع وليس مجرد سلوكات فردية.
هندسة ديموغرافية
ومن جانبه، يرى منسق الحملة الشعبية لمقاومة الجدار والاستيطان في الضفة الغربية جمال جمعة، أن عنف المستوطنين والاستيطان في الضفة تحولت إلى "رأس حربة" لمشروع إسرائيلي رسمي.
ويقول جمعة لـ"إرم نيوز": "لم يكن في يوم من الأيام عنف المستوطنين منفصلًا عن سياسات الحكومة الإسرائيلية، وإلا كانت منعته منذ البداية، وكان هذا الكلام قبل حوالي تقريبًا أربع سنوات".
ويضيف "عنف المستوطنين هو الأداة لعمليات التهجير للفلسطينيين، وهذا ما شاهدناه عمليًا في العام 2021 وبدأ بالتصاعد في ظل حرب الإبادة على قطاع غزة، حيث تم إطلاق يد المستوطنين بشكل كبير جدًا، بدعم مباشر من كامل الحكومة الإسرائيلية".
وبحسب المسؤول الفلسطيني: "نحن الآن لا نتحدث عن مجموعات متفرقة هنا وهناك، نتحدث عن فرق منظمة في مختلف أنحاء الضفة الغربية تقاد من إسرائيل بشكل مباشر من أجل تسهيل هذا العمل".
ويشير إلى أنه لا يوجد أي محاكمات لأي من الجرائم التي ترتكب بحق الفلسطينيين، مشددًا على أنها جرائم ضد الإنسانية تشمل عملية التهجير والقتل والترويع وهدم البيوت والمصادرة للممتلكات وحرق الأراضي الزراعية والاستيلاء عليها بالقوة.
ويقول: "هذه المجموعات تدار عمليًا من مجلس المستوطنات الأعلى، وأصبح هناك إطلاق يد كامل للمستوطنين حتى في مصادرة الأراضي بناء على أوامر عسكرية"، مشيرًا إلى أنه ما تم السيطرة عليه خلال الحرب على قطاع غزة عبر تهجير التجمعات الفلسطينية أكثر من 950 كم مربع، ما يعادل ضعفين ونصف مساحة قطاع غزة بالكامل.
ويوضح أن كل ما يجري هو من أجل الهندسة الجغرافية والديموغرافية في الضفة الغربية التي أرسى بالفعل قواعدها على الأرض جدار الفصل العنصري وحشر الفلسطينين في أضيق بقعة في الضفة ضمن مناطق أ ومناطق ب وفق تصنيف اتفاق أوسلو للسلام بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل.