لم تعد القارة القطبية الجنوبية تُعد أرضًا جامدة ومتجمدة بلا تغيير، بل أصبحت اليوم محور أبحاث مناخية عاجلة مع تسارع ذوبان الجليد الذي يهدد السواحل حول العالم. وهذا الأسبوع، أبحرت سفينة أبحاث تحمل نحو 40 عالمًا من أربع قارات من نيوزيلندا في مهمة علمية تستمر شهرًا لدراسة أسرع الأنهار الجليدية ذوبانًا على كوكب الأرض، وعلى رأسها نهر ثويتس الجليدي.
ووفقًا لصحيفة "نيويورك تايمز" يُعرف ثويتس بلقب "نهر يوم القيامة الجليدي"Doomsday Glacier، إذ تبلغ مساحته تقريبًا مساحة ولاية فلوريدا الأمريكية، ويفقد نحو 50 مليار طن من الجليد سنويًّا. ويحذر العلماء من أن ذوبانه الكامل قد يؤدي إلى ارتفاع مستوى سطح البحر عالميًّا بنحو مترين، فيما تكمن الخطورة الكبرى في كونه يشكل حاجزًا يمنع انهيار الصفيحة الجليدية لغرب القارة القطبية الجنوبية. وانهياره قد يؤدي إلى ارتفاع إضافي يتراوح بين 10 و15 قدمًا (من 3 إلى 4.6 متر) خلال القرون المقبلة؛ ما يهدد مئات الملايين من سكان المناطق الساحلية.
وتركز المهمة العلمية على فهم تأثير مياه المحيط الدافئة التي تؤدي إلى تآكل الجليد من الأسفل. ويخطط الباحثون لحفر ثقب بعمق يقارب نصف ميل في الجليد لتركيب أجهزة قياس داخل مياه البحر، إلى جانب نشر حساسات بواسطة المروحيات، ووضع عوامات على كتل جليدية عائمة، وحتى تثبيت أجهزة استشعار على الفقمات لجمع بيانات من مناطق لا تستطيع السفن الوصول إليها.
ولا تزال ظروف العمل في القارة القطبية الجنوبية بالغة الصعوبة، بسبب الطقس القاسي، وعدم استقرار الجليد، وضيق نافذة الوقت المتاحة للأبحاث. وتشير بيانات الأقمار الصناعية الحديثة إلى تسارع حركة الجليد وظهور شقوق هائلة قد تؤدي إلى انهيار أجزاء من الرف الجليدي خلال سنوات قليلة.
وتُنفذ الرحلة على متن كاسحة الجليد الكورية الجنوبية أراون، وسط مخاوف من تراجع القدرات البحثية الدولية في المنطقة، ولا سيما بعد خروج السفينة الأمريكية الرئيسية من الخدمة بسبب خفض الميزانيات، وهو ما قد يؤثر سلبًا في الأبحاث المستقبلية.
ويؤكد العلماء أن المخاطر لا تقل أهمية عن المهمة، إذ إن فهم سرعة ذوبان الجليد في القارة القطبية الجنوبية أمر حاسم لتحسين التنبؤات بارتفاع مستوى البحار والاستعداد لتداعياته عالميًّا.