كشفت دراسة منشورة في مجلة "Scientific Reports" أن مستقبل مدينة فينيسيا بات مرهونًا بتسويات قاسية بين حماية التراث، واستمرار النشاط السياحي، وإدارة التغير البيئي في البحيرة.
ووفق ما نقلته صحيفة "لو موند" الفرنسية في تغطيتها للدراسة، فإن الحفاظ على المدينة بصورتها التاريخية الحالية لم يعد خيارًا ممكنًا على المدى الطويل، بغض النظر عن سيناريوهات انبعاثات الغازات الدفيئة.
وتعرض الدراسة، التي أعدها فريق متعدد التخصصات يضم علماء مناخ وهندسة واقتصاد وجغرافيا، أربعة مسارات رئيسة لمستقبل المدينة، جميعها تقوم على مبدأ المفاضلة بين ما يمكن إنقاذه وما قد يتم التخلي عنه تدريجيًا مع ارتفاع مستوى سطح البحر وتزايد ظاهرة هبوط الأرض.
وفي حين تؤكد النتائج أن نطاق الحلول المتاحة يتقلص تدريجيًا كلما تسارع ارتفاع المياه، تشير التقديرات المناخية الواردة في الدراسة إلى أن منسوب البحر في بحيرة فينيسيا قد يرتفع بين 0.42 متر و0.81 متر بحلول عام 2100، تبعًا لسيناريوهات الانبعاثات. وفي حال السيناريوهات الأعلى خطورة، ومع احتمال عدم استقرار الغطاء الجليدي في القطب الجنوبي، قد يصل الارتفاع إلى 1.8 متر، ما يعني تعرض نحو 98% من المدينة للغمر بالمياه.
وعلى المدى الأبعد حتى عام 2300، قد تتراوح الزيادة بين 3 أمتار و16 مترًا، وهو ما يضع المدينة أمام تهديد وجودي فعلي.

وتوضح الدراسة أن فينيسيا تواجه أصلًا ضغوطًا متراكمة نتيجة الفيضانات المتكررة خلال العقدين الماضيين، بفعل ارتفاع مستوى البحر عالميًا، إضافة إلى هبوط تدريجي في التربة ناتج عن عوامل بشرية مثل ضغط المباني وسحب المياه الجوفية.
وأوضحت الصحيفة أنه رغم تشغيل نظام الحواجز المتحركة المعروف باسم "موSE" منذ عام 2020، والذي يهدف إلى الحد من ظاهرة المد العالي، فإن فعاليته تبقى محدودة في ظل السيناريوهات المناخية الأكثر تشددًا.
وتُظهر الدراسة أن هذا النظام قد يصبح غير كافٍ عندما يتجاوز ارتفاع مستوى البحر نحو 0.5 إلى 1.75 متر، مع توقع زيادة الأعطال وتراجع القدرة التشغيلية، إضافة إلى تأثيرات اقتصادية مباشرة تشمل تقييد الوصول إلى الميناء لعدة أشهر سنويًا، وما يرافق ذلك من خسائر في قطاعَي النقل والسياحة.
وفي حال تجاوز هذه العتبة، تطرح الدراسة خيارَين رئيسين، الأول يتمثل في تطويق المدينة والجزر المجاورة مثل مورانو، بسدود دائمة لعزلها عن البحر، وهو خيار قد تصل كلفته إلى نحو 4.5 مليار يورو، لكنه يحمل مخاطر كبيرة على النظام البيئي للبحيرة، فضلًا عن تأثيره المباشر على المشهد العمراني والنشاط السياحي.
أمّا الخيار الثاني فيتمثل في تحويل بحيرة فينيسيا إلى نظام مائي مغلق يشبه البحيرات الداخلية، عبر إنشاء حواجز ثابتة تفصلها عن البحر الأدرياتيكي.
ورغم أنه قد يسمح بالحفاظ على جزء من البنية العمرانية، إلَّا أنه يعني عمليًا تدمير التوازن البيئي للبحيرة ونقل الأنشطة المينائية خارجها، بكلفة قد تصل إلى 30 مليار يورو ومدة تنفيذ قد تمتد نصف قرن.
وفي السيناريو الأكثر تطرفًا، تدرس الورقة البحثية خيار "الانسحاب المنظم"، والذي يتضمن نقل بعض المعالم التاريخية إلى اليابسة والتخلي التدريجي عن المناطق الأكثر عرضة للغرق.
ويُعد هذا الخيار غير مسبوق من حيث الحجم والتعقيد، وقد تصل كلفته إلى نحو 100 مليار يورو، دون احتساب التعويضات المرتبطة بالملكية العقارية، وقد لا يصبح مطروحًا قبل عام 2300.

ورغم أن هذا السيناريو يُنظر إليه حاليًا بوصفه غير واقعي سياسيًا واجتماعيًا، إلَّا أن الباحثين يحذرون من أنه قد يتحول إلى خيار اضطراري في حال فشل الحلول الهندسية الأخرى أو تسارع ارتفاع مستوى سطح البحر بوتيرة تفوق التوقعات.
وتشير الدراسة كذلك إلى تراجع عدد سكان المدينة من نحو 170 ألف نسمة في خمسينيات القرن الماضي إلى قرابة 50 ألفًا اليوم، نتيجة تحول الاقتصاد المحلي نحو السياحة الجماعية؛ ما يعمّق هشاشة النسيج الاجتماعي للمدينة ويعزز طابعها كوجهة سياحية أكثر من كونها مدينة معيشية.
ويؤكد الباحثون أن تأجيل اتخاذ القرارات سيجعل الخيارات أكثر كلفة وأقل فعالية، مشددين على أن التخطيط المبكر لم يعد مسألة اختيار بل ضرورة زمنية، في ظل أن تنفيذ أي من هذه السيناريوهات يتطلب عقودًا من العمل.