يعرض المتحف المصري القديم، بميدان التحرير بوسط القاهرة، واحدة من كنوزه الأثرية التي تتمثل في مومياء طائر غامض، تعود إلى العصرين البطلمي والروماني، والتي تفتح نافذة جديدة ومذهلة على تعقيدات الممارسات الدينية والجنائزية في مصر القديمة.
وخضعت المومياء مؤخراً لفحوصات دقيقة باستخدام تقنيات التصوير المقطعي والتحليل الكيميائي، على نحو كشف عن تفاصيل لم تكن مرئية بالعين المجردة، ما أحدث تحولاً في فهمنا لكيفية تعامل المصريين القدماء مع الطيور كقرابين للآلهة.
كما تكمن أهمية الاكتشاف كذلك في فهم دلالة الممارسات التي رافقت تحنيط الطيور، وخاصة طائر "أبو منجل" والصقور، التي كانت ترمز للإلهين "تحوت" و"حورس"، حيث لم تكن المومياء مجرد طائر نافق تم العثور عليه، بل كانت جزءاً من نظام مؤسسي ضخم لتربية الطيور بغرض تقديمها كقربان.
وتشير التحليلات إلى وجود "مزارع للقرابين" كانت تزود المعابد بآلاف المومياوات التي يشتريها المتعبدون لتقديمها كرسائل إلى الآلهة أو لطلب الشفاعة.
حُنطت المومياء بعناية فائقة باستخدام مواد ثمينة مثل الكتان الفاخر، وهي تفاصيل تدحض الفكرة القائلة بأن تحنيط الحيوانات كان يتم بطريقة عشوائية أو رخيصة مقارنة بالبشر، كما كشف فحص المحتويات الداخلية للمومياء عن وجود بقايا وجبة الطائر الأخيرة.
وتوفر تلك المعلومات للعلماء بيانات بيئية حول النظام الغذائي والتنوع البيولوجي في دلتا النيل وصعيد مصر خلال تلك الحقبة الانتقالية بين السيادة البطلمية والإدارة الرومانية قبل ما أكثر من ألفي عام.
وتبرز الدلالة الدينية لهذا الاكتشاف في كونه يجسد الرغبة البشرية القديمة في التواصل مع المجهول، فالمومياء لم تكن تُعتبر حيواناً ميتاً، بل "وسيطاً حياً" في العالم الآخر.
وفي العصرين البطلمي والروماني، بلغت هذه الممارسات ذروتها، حيث تحولت سراديب المومياوات إلى مخازن تضم الملايين من هذه الكائنات المحنطة، على نحو يعكس مدى تغلغل العقيدة الجنائزية في الاقتصاد المحلي، حيث اشتغل الآلاف في مهن ترتبط بتربية وحفظ وبيع هذه القرابين.