لطالما ارتبطت مرحلة المراهقة بالسلوكيات المحفوفة بالمخاطر، إذ تُظهر الإحصاءات في الولايات المتحدة أن احتمالات وفاة المراهقين بسبب الإصابات تفوق تلك التي لدى الأطفال الأصغر سنًّا.
غير أن دراسة جديدة وفقًا لـ"ساينس أليرت"، تشير إلى أن السبب قد لا يكون ميلاً فطريًّا متزايدًا للمخاطرة، بل تراجع مستوى الرقابة والإشراف الذي يحظى به المراهقون مقارنة بمرحلة الطفولة.
وتوصل باحثون إلى هذه النتائج بعد دراسة سلوكيات المخاطرة الجسدية لدى الشمبانزي، أحد أقرب أقرباء الإنسان من الناحية التطورية، في محاولة لفهم جذور هذا السلوك بعيدًا عن القيود الأخلاقية التي تحول دون تعريض البشر لمخاطر فعلية في الأبحاث.
ويرصد العلماء منذ سنوات أن الشمبانزي في البرية، على اختلاف أعمارهم، يتنقلون بين الأشجار على ارتفاعات شاهقة، مستخدمين أساليب مختلفة تتراوح بين التسلق الآمن والقفز فوق الفجوات، وأحيانًا ترك الأغصان تمامًا؛ ما قد يؤدي إلى السقوط.
وتُعد السقوطات من أبرز أسباب الإصابات والوفيات بين الشمبانزي.
وأظهرت الدراسة، التي شملت أكثر من 100 شمبانزي تتراوح أعمارهم بين عامين و65 عامًا في متنزه كيبالي الوطني بأوغندا، أن السلوكيات الأكثر خطورة لا تبلغ ذروتها في مرحلة المراهقة، بل تظهر بشكل أكبر في مرحلة الطفولة المتأخرة، بين سن الثانية والخامسة.
وبيّنت النتائج أن الصغار في هذه الفئة العمرية كانوا أكثر عرضة بثلاث مرات للقيام بحركات محفوفة بالمخاطر مقارنة بالبالغين، بينما انخفضت هذه النسبة تدريجيًّا مع التقدم في العمر.
ولم تسجل الدراسة فروقًا جوهرية بين الذكور والإناث في مستوى المخاطرة، وهو ما يتعارض مع الفرضيات الشائعة لدى البشر في بعض الثقافات.
وتتوافق هذه النتائج مع دراسات مخبرية سابقة أظهرت أن الشمبانزي، مثل البشر، تصبح أكثر ميلاً لاختيار الخيارات الآمنة مع التقدم في العمر، سواء في المخاطر الجسدية أو حتى في تجارب المقامرة التي تقارن بين مكافآت مضمونة وأخرى غير مؤكدة.
ويرى الباحثون أن أحد التفسيرات الرئيسية لهذه الظاهرة يتمثل في مستوى الإشراف. فصغار الشمبانزي، بعد سن الثانية، لا يخضعون لرقابة لصيقة من أمهاتهم؛ ما يمنحهم حرية أكبر في الحركة والمجازفة.
في المقابل، يخضع الأطفال البشر عادة لإشراف مكثف من الوالدين ومقدمي الرعاية، قبل أن تتراجع هذه الرقابة تدريجيًّا مع بلوغهم سن المراهقة.
ويشير الباحثون إلى أن تراجع الإشراف قد يكون عاملًا حاسمًا في زيادة السلوكيات الخطرة، وليس بالضرورة حدوث تغير جذري في طبيعة الميل إلى المخاطرة نفسها.
وفي الوقت ذاته، لا يستبعد العلماء وجود عوامل أخرى تؤثر في هذا السلوك، مثل ازدياد وعي البالغين بخطورة السقوط، خاصة مع زيادة الوزن وتراجع مرونة العظام؛ ما يجعل الإصابات أكثر فتكًا مقارنة بصغار السن.
وتخلص الدراسة إلى أن فهم سلوك الشمبانزي يوفر نافذة مهمة لفهم التفاعل بين التطور البيولوجي والثقافة في السلوك البشري، كما يسلط الضوء على التحدي الدقيق الذي يواجه الآباء في تحقيق التوازن بين حماية الأطفال وإتاحة مساحة كافية للعب، الذي يُعد عنصرًا أساسيًّا في النمو البدني وتطوير المهارات الحركية.