اشتعل النقاش الساخن حول الأدب النسائي العربي والمصير الصادم لعدد من مبدعات الشعر والرواية والقصة القصيرة عبر حقب زمنية مختلفة، مع صدور طبعة جديدة من الكتاب المثير للجدل "لماذا تموت الكاتبات كمداً؟!" الصادر عن دار "بتانة" بالقاهرة، للكاتب والمؤرخ والناقد الأدبي المصري شعبان يوسف.
يرصد المؤلف كيف تعدّدت أشكال المصير الصادم للكاتبات العربيات ما بين الانتحار أو الأمراض النفسية أو الانزواء بعيداً وهجر الإبداع بعد يأس واكتئاب شديدين، عبر حقب زمنية مختلفة، نتيجة أسباب عديدة أبرزها رفض المجتمع الذكوري لإبداع حواء، والأسوأ تهميش واضطهاد "المثقف الرجل" لزميلته المثقفة التي لا يرى، في أعماق نفسه، مكاناً لها سوى المطبخ وتربية الأولاد.
يقول شعبان يوسف: "لا توجد فروق جوهرية بين انتحار الكاتبة البريطانية فرجينيا وولف في مطلع الأربعينيات، وبين انتحار الكاتبات المصريات عنايات الزيات (في الستينيات)، ودرّية شفيق (في السبعينيات)، وأروى صالح (في التسعينيات). الفروق تكمن في التفاصيل، وفي الزمان والمكان".
ومن الأمثلة الأخرى البارزة التي يسوقها المؤلف في هذا السياق، ما حدث مع الكاتبة وعالمة الرياضيات ليلى الشربيني، حيث نشرت 5 مجموعات قصصية، لكنها أصيبت بخلل نفسي لاحقاً وانتهت حياتها في عزلة وصمت دون أن يعرف أحد عنها شيئاً.
وهناك أيضاً سهام صبري، إحدى رائدات الحركة الطلابية في حقبة السبعينيات، التي جمعت بين الموهبة ككاتبة وبين حس المبادرة والشجاعة كخطيبة مفوهة ومثقفة، وانتهت حياتها بمصير مشابه لليلى الشربيني.
أما مي زيادة، الشاعرة والكاتبة الفلسطينية–اللبنانية، فقد أوتيت من فنون الكلمة والتأثير في جيل كامل من رواد الثقافة العربية في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي ما لم يؤت لكاتبة قبلها، على صعيد الإنتاج الأدبي والترجمة.
تحول صالون مي الثقافي، الذي كانت تقيمه بمنزلها في القاهرة كل ثلاثاء من كل أسبوع، إلى قبلة لكبار الأدباء ووجهة محببة لنجوم المجتمع في الفكر والصحافة في الفترة من 1913 حتى 1921، حيث كان أمير الشعراء أحمد شوقي وعميد الأدب العربي طه حسين وعباس محمود العقاد وخليل مطران وإبراهيم المازني من أبرز المترددين عليه.
ورغم ذلك، واجهت مصيراً مأساوياً حين حجر أقاربها في لبنان عليها حتى يستولوا على بيتها هناك وما تبقى من ثروتها، وشككوا في قواها العقلية، وأدخلوها مصحة عقلية شهيرة تُدعى "العصفورية"، وهو ما علقت عليه مي لاحقاً بقولها في مذكراتها: "باسم الحياة ألقاني الأقارب في دار المجانين، أحتضر على مهل وأموت شيئاً فشيئاً".
وأصدرت الكاتبة المصرية أوليفيا عبد الشهيد كتاباً يحمل عنوان "كتاب العائلة" في وقت مبكر للغاية العام 1912، ويتضمن أشعاراً وتأملات نثرية شديدة العمق؛ ما ينبئ عن رائدة نسوية كبيرة، لكنها تعرضت لحملة اجتماعية من الانتقادات؛ ما جعلها تختار اسماً مستعاراً هو "الزهراء" لتستكمل به مشوارها الإبداعي، ليطويها النسيان لاحقاً.
ويجادل أدباء في أن "الموت كمداً" يطال الرجل المبدع أيضاً وإن كان لظروف مختلفة، وبالتالي لا يصح تصوير المرأة المبدعة بأنها وحدها الضحية، وهو ما يرد عليه المؤلف بالتأكيد على أننا "بإزاء مناخ عام طارد للإبداع في المجتمعات العربية عبر حقب زمنية سابقة"، لافتاً إلى أننا "لسنا بصدد معركة بين المرأة والرجل".