وافق يوم الأحد، ذكرى ميلاد واحدة من أكثر الشخصيات إثارة للجدل والإعجاب في تاريخ الفن العربي، "تحية كاريوكا"، الفنانة التي لم تكن مجرد راقصة شرقية برعت في تقديم "السامبا" و"الكاريوكا"، بل كانت ظاهرة إنسانية وسياسية فريدة.
واستطاعت بذكائها أن تكسر الصورة النمطية للفنانة الاستعراضية، محققةً معادلة صعبة بعدما جمعت بين الثقافة والعمل الاجتماعي والخيري والسياسي في مصر.
تعود بدايات تحية كاريوكا الفنية إلى عملها في كازينو "بديعة مصابني"، وكانت حينها فتاة صغيرة تبحث عن التميز حتى يلمع اسمها في مجال الرقص الاستعراضي، إلى أن جاءت النقلة اللافتة في مشوارها الفني برقصة "الكاريوكا" التي رافقت اسمها حتى رحيلها.
في عام 1940، عُرض الفيلم الأمريكي "Flying Down to Rio"، وظهرت فيه رقصة برازيلية جديدة تُسمى "الكاريوكا"، محققةً انتشارًا عالميًا واسعًا آنذاك، حتى أصبحت "تريند" ذلك العصر.
ومع انتشار هذه الرقصة الاستعراضية، قررت تحية، واسمها الحقيقي بدوية محمد كريم، أن تدمج حركات هذه الرقصة البرازيلية السريعة مع الرقص الشرقي الأصيل في رقصة استعراضية واحدة على مسرح بديعة مصابني.
وما إن أدت تحية رقصتها الشهيرة وأذهلت الجمهور والنقاد ببراعتها في أداء "الكاريوكا" بلمسة شرقية فريدة، حتى أطلق عليها الجمهور وزملاؤها لقب "تحية كاريوكا" لنجاحها في هذه الرقصة، وظل هذا الاسم ملازمًا لها طوال مسيرتها الفنية حتى طغى على اسمها الحقيقي.
ونجحت تحية كاريوكا في تحويل الرقص إلى لغة تعبيرية رصينة، وهو ما دفع المفكر والكاتب سلامة موسى إلى كتابة مقال شهير عنها، اعترف خلاله صراحةً بأن "تحية كاريوكا غيرت فكرته تمامًا عن الرقص الشرقي".
وبعد أن كان يراه فنًا مبتذلًا، وجد في أداء تحية "هرمًا من الوقار" ورشاقةً في التعبير لا تخدش الحياء، بل تحاكي رقي الفنون العالمية، واصفًا إياها بأنها "مثقفة بالفطرة.. استطاعت أن ترتقي بالجسد ليكون أداة فكرية".
بعيدًا عن أضواء المسارح، كانت كاريوكا صاحبة قلب يتسع للجميع، ويُسجل لها التاريخ الفني أنها كانت أول فنانة مصرية تُنظم "مائدة إفطار" في شهر رمضان المبارك.
ولم تكن مائدة تحية كاريوكا مجرد مائدة عابرة، بل كانت تُشرف عليها بنفسها، وتدعو إليها العمال والفقراء والبسطاء من أهل حي "السيدة زينب" الكائن في قلب العاصمة المصرية القاهرة، والذي ارتبطت به وجدانيًا.
ولم تقف أعمال كاريوكا الخيرية عند موائد الإفطار، بل عُرفت بلقب "أم اليتامى" في كواليس المسرح، حيث كانت تخصص جزءًا كبيرًا من أجرها للأعمال الخيرية.
كان لتحية كاريوكا مواقف سياسية أيضًا؛ فهي الفنانة التي خبأت الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات في مزرعة صهرها أثناء هروبه من الإنجليز بتهمة اغتيال "أمين عثمان".
كما سُجنت بسبب نشاطها السياسي وانتقادها للأوضاع العامة، وكانت تقول دائمًا: "أنا راقصة نعم.. لكني مواطنة مصرية أولًا".