مع توقيع واشنطن سلسلة اتفاقيات تجارية واستراتيجية بالغة الأهمية مع بيونس آيرس، أصبحت الأرجنتين المورد الأول للمعادن الثمينة والنادرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، التي تخطط للهيمنة الكاملة على "مثلث الليثيوم"، الذي يضم الأرجنتين وبوليفيا والشيلي.
ومطلع الشهر الجاري، وقّعت واشنطن وبيونس آيرس اتفاقية استراتيجية تلتزم الأرجنتين بموجبها بمنح الشركات الأمريكية أولوية مطلقة في استخراج وتكرير مادتي الليثيوم والنحاس.
تنص الاتفاقية، التي تمثل إطارًا لتأمين وتوريد وتعدين ومعالجة المعادن الحرجة، على إلغاء الولايات المتحدة الرسوم الجمركية على مئات المنتجات الأرجنتينية، بما في ذلك لحوم البقر، إلى جانب تقديم حزمة تمويل استثماري بقيمة 3.2 مليار دولار من مؤسسة "دي إس سي" (DFC) الأمريكية لدعم البنية التحتية المنجمية، عبر إنشاء مصانع لتكرير الليثيوم داخل الأرجنتين، بما يضمن عدم إرساله إلى الصين لمعالجته وتثمينه.
ووفق مصادر إعلامية مطلعة على تفاصيل الاتفاق، حصلت الأرجنتين على ميزة تاريخية تقضي بمعاملة معادنها النادرة والثمينة، ممثلة في الليثيوم والنحاس، معاملة المعادن المستخرجة محليًا في الولايات المتحدة.
وتضيف المصادر أن السيارات الكهربائية الأمريكية التي تستخدم "ليثيوم الأرجنتين" ستحصل بموجب ذلك على إعفاءات ضريبية كاملة.
بحسب مصادر إعلامية محلية، من بينها "هيرالد بيونس آيرس"، فإن الاتفاقية تمنع بشكل مطلق دخول شركات من "اقتصادات متلاعبة بالسوق" في عطاءات منجمية معينة، في إشارة إلى الصين التي تتهمها واشنطن بالتلاعب بالأسعار.
وفي هذا السياق، نقلت مصادر أرجنتينية عن ج. دي. فانس، نائب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، اقتراحه إنشاء نظام حد أدنى للأسعار لحماية المناجم الأرجنتينية من تقلبات الأسعار التي تفتعلها بكين، وفق تعبير المسؤول الأمريكي.
وتُعد الاتفاقية مكسبًا جديدًا لواشنطن في "حرب المعادن النادرة والثمينة" التي تخوضها ضد بكين، إذ تسعى الولايات المتحدة إلى السيطرة على مناجم الليثيوم والنحاس ومنع احتكار الصين لهذه المواد الاستراتيجية.
وكانت هيمنة الصين شبه المطلقة على سلاسل توريد المعادن الثمينة والنادرة قد شكلت ضربة قوية لجهود ترامب الرامية إلى تعميم الرسوم الجمركية على اقتصادات العالم، بعدما اضطرت واشنطن إلى الجلوس على طاولة التفاوض بشأن نسب الرسوم، في ظل مخاوف عبّر عنها عمالقة التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وصناعة السيارات الكهربائية من تداعيات رفع الرسوم الجمركية على المعادن القادمة من الصين.
تؤكد دراسات استراتيجية أن إدارة ترامب تعمل حاليًا على استقطاب الدول ذات الموارد التعدينية المرتفعة، وأن الاتفاقية الموقعة مع الأرجنتين تمثل خطوة أولى ضمن مسار أوسع يستهدف السيطرة على "مثلث الليثيوم" في أمريكا اللاتينية.
ويقع المثلث في منطقة المرتفعات العالية من جبال الأنديز، وهي منطقة حدودية جبلية تتقاسمها بوليفيا والأرجنتين والشيلي.
في بوليفيا، تتمركز موارد الليثيوم في منطقة "سالار دي أويوني"، أكبر مسطح ملحي في العالم، والذي يحتوي على أضخم احتياطيات خام، غير أن البلاد لا تزال تواجه صعوبات كبيرة في الاستخراج الصناعي بسبب طبيعة الليثيوم في تلك المناطق.
أما في الشيلي، التي تُعد المنتج الأكثر كفاءة وتصديرًا لليثيوم عالي الجودة عالميًا، فتقع الموارد في منطقة "سالا ر دي أتاكاما".
وفي الأرجنتين، يوجد الليثيوم في أقاليم سَلطة وخوخوي وكاتاماركا، وقد أصبحت هذه المناطق أهدافًا اقتصادية استراتيجية لواشنطن، التي استفادت من وصول الرئيس خافيير ميلي إلى سدة الحكم.
وتشير أبحاث استراتيجية إلى أن "مثلث الليثيوم" يمتلك ما بين 50 و60 في المائة من الاحتياطيات المكتشفة عالميًا.
تصطدم الجهود الأمريكية للسيطرة على هذا المثلث بالوجود الصيني المتجذر في بوليفيا والشيلي، وكذلك بالميول السياسية للأنظمة الحاكمة هناك؛ إذ يكشف تاريخ العلاقات بين هذه العواصم وواشنطن عن الكثير من الخلافات والصدامات.
فالصين لا تزال المشتري الأول لصادرات الليثيوم الشيلي، إذ تستحوذ وحدها على 70 في المائة من إجمالي هذه الصادرات.
وفي بوليفيا، تتمتع الصين بمكانة متقدمة جدًا في منظومة الليثيوم، سواء على مستوى الاستخراج أو التثمين، حيث تعتمد لاباز على الشركات الصينية في تكنولوجيا الاستخراج المباشر لتجاوز التحديات الطبيعية، نظرًا لاحتواء الليثيوم البوليفي على نسب مرتفعة من المغنسيوم وشوائب أخرى.
وتشير مصادر إعلامية إلى أنه في الوقت الذي كانت فيه الأرجنتين توقّع اتفاق الليثيوم والنحاس مع واشنطن، كانت بوليفيا تعزز علاقاتها الاقتصادية مع روسيا والصين.
وتقود شركة "كاكتيل" الصينية، أكبر منتج للبطاريات في العالم، عمليات بناء مصانع عملاقة في بوليفيا باستثمارات تجاوزت 1.4 مليار دولار.
كما شرعت شركة "يورانيوم وان" الروسية، خلال الشهر الجاري، في تشغيل وحداتها التجريبية لاستخراج الليثيوم في منطقة "باستوس غراندي"، في مؤشر إضافي على احتدام التنافس الدولي حول موارد هذا المثلث الاستراتيجي.