دخلت الأزمة المالية في العراق مرحلة أكثر خطورة بعد تأخر رواتب دوائر حكومية، وظهور معلومات عن سحب تريليونات الدنانير من المصارف الحكومية لتأمين النفقات، ما أعاد النقاش حول طبيعة الخلل المالي، وما إذا كانت البلاد تواجه أزمة مؤقتة أم ضغطاً هيكلياً في إدارة التدفقات النقدية.
وعلى الرغم من التطمينات الرسمية المتكررة بشأن قدرة الدولة على الإيفاء بالتزاماتها، فإن الوقائع الميدانية خلال الأسابيع الماضية رسمت صورة مختلفة، بدأت بتأخر رواتب الشهر الماضي، لأكثر من أسبوعين في بعض الدوائر، وسط حديث عن شح نقدي في مصرفي الرافدين والرشيد.
ويعزو خبراء تفاقم الأزمة المالية إلى التوسع في إطلاق مشروعات خدمية وبنى تحتية خلال السنوات الماضية، شملت جسوراً وأنفاقاً ومشاريع طرق ومداخل مدن، وهي مشاريع، رغم أهميتها الخدمية، لا تدر عوائد مالية مباشرة على الخزينة.
ويشير مختصون إلى أن تمويل هذه المشاريع تم في ظل اقتصاد ريعي يعتمد على مورد واحد، ما ضاعف الضغط على السيولة، وأدى إلى توجيه جزء كبير من الإنفاق نحو مشاريع طويلة الأمد من دون وجود إيرادات موازية تسندها.
وتشير معطيات مصرفية وبرلمانية إلى أن الحكومة اضطرت خلال الأشهر الماضية إلى سحب ما يزيد على 28 تريليون دينار من المصارف الحكومية، إضافة إلى مليارات الدولارات من مؤسسات أخرى، لتغطية الرواتب والنفقات التشغيلية.
وهذه الإجراءات، بحسب مصادر مطلعة، استنزفت جزءاً كبيراً من السيولة المتاحة داخل الجهاز المصرفي الحكومي، ما جعل خيار تأخير الرواتب مطروحاً بقوة في حال عدم إيجاد حلول عاجلة.
كما أثار الحديث عن توزيع الرواتب كل 45 يوماً بدلاً من الصرف الشهري، رغم نفي وزارة المالية، موجة قلق واسعة بين الموظفين والمتقاعدين، الذين يعتمدون بشكل شبه كامل على الدخل الحكومي لتأمين متطلبات المعيشة.
ويُضاف إلى ذلك تفعيل قانون التعرفة الجمركية بصورة مفاجئة نسبياً، وما رافقه من ارتفاعات سعرية في الأسواق، فضلاً عن العودة إلى تفعيل قانون رقم 770 لسنة 1987 الخاص باعتبار بعض الموظفين "فائضين عن الحاجة"، وهي خطوات قرأها مراقبون على أنها مؤشرات ضغط مالي أكثر منها إصلاحات هيكلية مخططاً لها.
بدوره قال الباحث في المجال الاقتصادي دريد العنزي إن "الأزمة الحالية لم تنشأ فجأة، بل هي نتيجة تراكمات لسنوات من التوسع غير المدروس في التعيينات، وارتفاع النفقات التشغيلية إلى مستويات تفوق قدرة الاقتصاد الحقيقي على التحمل".
وأضاف لـ"إرم نيوز" أن "العراق يعتمد بصورة شبه كاملة على إيرادات النفط لتمويل أكثر من 4 ملايين ونصف المليون موظف ومتقاعد، وعندما تتعرض أسعار النفط لأي اهتزاز، أو تتراجع التدفقات النقدية الفعلية، يظهر الخلل فوراً في بند الرواتب".
وأوضح أن "ما حدث خلال الأشهر الماضية هو ضغط مزدوج، يتمثل بارتفاع الالتزامات الشهرية، مقابل بطء في تدفق النقد داخل المصارف الحكومية، إضافة إلى استمرار تهريب الكتلة النقدية إلى خارج النظام المصرفي، حيث تشير تقديرات إلى وجود نحو 80 تريليون دينار مكتنزة في المنازل".
ويُظهر المشهد المالي الحالي ضعف البنية الريعية للاقتصاد العراقي، إذ تذهب نحو 6 تريليونات دينار شهرياً للرواتب من أصل إيرادات نفطية تقدر بنحو 8 تريليونات دينار عند مستويات أسعار مريحة.
وأي تراجع في سعر البرميل إلى ما دون 60 دولاراً، وفق تقديرات خبراء، قد يضع الحكومة أمام معادلة صعبة بين تمويل الرواتب أو اللجوء إلى الاقتراض والسحب من الاحتياطيات.
كما أن استمرار الاعتماد على المصارف الحكومية بأساليب تقليدية، وعدم استكمال مشاريع الهيكلة والتحديث المصرفي، أضعف قدرة الجهاز المصرفي على امتصاص الصدمات، وعزز من فجوة الثقة بين المواطن والمؤسسات المالية.
بدوره قال الأكاديمي والخبير الاقتصادي، سرمد الشمري، إن "الحل لا يبدأ بالمساس برواتب الموظفين، بل بإعادة تنظيم الإنفاق الحكومي، وضبط النفقات التشغيلية غير الضرورية، وتفعيل الرقابة على العقود والمشاريع المتلكئة التي تستنزف الموازنة دون مردود اقتصادي حقيقي".
وأوضح في حديث لـ"إرم نيوز" أنه "من الضروري استعادة الثقة بالقطاع المصرفي لما يمثله من مفتاح مهم لمعالجة شح السيولة، عبر إطلاق أدوات ادخارية، وتوسيع خدمات الدفع الإلكتروني، وتحفيز المواطنين على إعادة أموالهم المكتنزة إلى النظام المصرفي بدلاً من بقائها خارج الدورة الاقتصادية".
وفي مسعى لمواجهة شح السيولة المالية، اتجهت الحكومة إلى توسيع قاعدة الضرائب وفرض رسوم إضافية على عدد من القطاعات، فضلاً عن تفعيل التعرفة الجمركية على السلع المستوردة، في خطوة قالت إنها تهدف إلى تعزيز الإيرادات غير النفطية.
غير أن هذه الإجراءات أثارت موجة غضب شعبي واسع، خصوصاً مع انعكاسها المباشر على أسعار السلع والخدمات في الأسواق، في وقت يعتمد فيه المواطن بشكل كبير على الاستيراد لتأمين احتياجاته اليومية.