تستعد روسيا لاستغلال احتياطياتها الضخمة من العناصر الأرضية النادرة كورقة استراتيجية في محادثات السلام المحتملة مع أوروبا وأوكرانيا، بعد أن أبدت بعض العواصم الأوروبية اهتمامًا بإعادة فتح القنوات الدبلوماسية مع فلاديمير بوتين.
يتركز هذا المخطط على مشروع وادي أنغارا-ينيسي في سيبيريا، الذي يقدر بنحو 9.2 مليار دولار، ويشرف عليه سيرغي شويغو نائب رئيس مجلس الأمن الروسي ووزير الدفاع السابق، بدعم من نائب رئيس الوزراء الأول دينيس مانتوروف، وفق صحيفة "أوراسيا ريفيو".
تهدف موسكو من خلال هذا المشروع إلى رفع حصتها في الإمدادات العالمية للعناصر الأرضية النادرة من 1.3% إلى 10% بحلول عام 2030، عبر إنشاء منطقة اقتصادية خاصة، وتقديم حوافز ضريبية، ودعم البنية التحتية، وافتتاح ثماني مصانع لمعالجة مواد البطاريات والجرمانيوم والألومنيوم بحلول عام 2028.
ويُظهر تكليف شويغو ومانتوروف بالمشروع مدى الثقل السياسي والاقتصادي له؛ إذ يمثل فرصة لموسكو لممارسة نفوذها على الدول الأوروبية التي تعتمد بشكل متزايد على هذه المعادن الحيوية.
يدرك المسؤولون الروس أن هيمنة الصين على تعدين وتكرير العناصر الأرضية النادرة تشكل نقطة ضعف استراتيجية للغرب.
تسيطر بكين على نحو 60% من التعدين و90% من التكرير العالمي، وتفرض رقابة صارمة على تراخيص التصدير؛ ما يمنحها القدرة على معرفة المخزونات ومواعيد الإنتاج للشركات الغربية والتحكم في وصول المواد الحيوية للصناعات التكنولوجية المتقدمة.
وتُستخدم هذه العناصر في تصنيع السيارات الكهربائية وتوربينات الرياح والروبوتات وأنظمة الدفاع الحديثة؛ ما يجعل أي انقطاع مفاجئ في الإمدادات كارثيًا للاقتصاد الأوروبي.
وعندما تواجه أوروبا قيودًا صينية، تتجه إلى روسيا مباشرةً للحصول على المعادن، كما هو الحال في إستونيا التي تعتمد على روسيا لتغطية 88% من احتياجاتها؛ ما يعكس المأزق الأوروبي بين الاستفادة من القرب الجغرافي وتهديد الإكراه السياسي الروسي.
على الرغم من حجم الاحتياطيات الروسية البالغة 28.7 مليون طن، يواجه مشروع وادي أنغارا-ينيسي تحديات تقنية وقانونية واقتصادية؛ فروسيا تفتقر إلى أحدث التقنيات في الاستخراج والمعالجة، بينما تتردد الشركات الصينية والأوروبية في المشاركة دون ضمانات واضحة.
كما تزيد العقوبات الغربية من صعوبة جذب الاستثمارات الأجنبية، ويعتمد نجاح المشروع على قدرة موسكو على إقناع الأوروبيين بأن الاستثمار فيه حل اقتصادي واستراتيجي معقول، خصوصًا في ظل ضغوط الحرب في أوكرانيا والمنافسة الصينية على السوق العالمية.
ويُتوقع أن تسعى بعض العواصم الأوروبية إلى تسويق الصفقات مع موسكو باعتبارها طريقًا لتعزيز استقلالها الاقتصادي عن الصين وأمريكا؛ ما يضع القادة الأوروبيين أمام ضرورة وضع استراتيجية متينة لمقاومة الإغراء، بما يشمل رفض ربط التعاون الاقتصادي بشروط سياسية متعلقة بالصراع الأوكراني.
في المقابل، فإن المشروع، حتى في حال عدم تحقيق جميع أهدافه، سيضمن استفادة الوزارات والشركات الروسية الحكومية والنخب الصناعية، ويعزز استقرار النظام الروسي ويعكس قدرة موسكو على تحويل ثروتها المعدنية إلى أداة نفوذ استراتيجية على الساحة الدولية.