كشفت تطورات الحرب الروسية الأوكرانية مع مطلع كانون الثاني/ يناير 2026 عن مشهد عسكري وسياسي بالغ التعقيد، تتداخل فيه ملامح الحرب التقليدية مع أدوات الصراع غير المتكافئ، في واحدة من أطول وأعنف حروب الاستنزاف في أوروبا الحديثة.
فبينما تواصل موسكو تحقيق تقدم ميداني بطيء، تُظهر كييف قدرة لافتة على إرباك الخصم وضرب عمقه الاستراتيجي، رغم الخسائر والضغوط المتراكمة.
ميدانيا، تقدمت القوات الروسية بنحو 79 ميلاً مربعًا خلال الأسابيع الأخيرة، وهو رقم يعكس استمرار الزحف، لكنه في الوقت نفسه يشير إلى تراجع الزخم مقارنة بفترات سابقة.
وتسيطر روسيا حاليًا على قرابة 20% من الأراضي الأوكرانية، مع اقتراب قواتها من ضواحي زابوريجيا، في مؤشر على سعي موسكو لترسيخ مكاسب جغرافية قبل أي تسوية محتملة.
وفي المقابل، برزت حرب الطائرات المسيرة كأحد أبرز ملامح الصراع غير المتكافئ، فرغم الإطلاق الروسي الكثيف للمسيرات، إلا أن أوكرانيا نجحت في رفع معدلات الاعتراض بشكل ملحوظ، بالتوازي مع تنفيذ ضربات دقيقة استهدفت مصافي النفط ومنشآت الطاقة والصناعات العسكرية داخل العمق الروسي؛ ما ألحق أضرارًا كبيرة بالاقتصاد الحربي لموسكو.
وتزامن ذلك مع تصعيد متبادل في استهداف البنية التحتية للطاقة، حيث تحولت الكهرباء والتدفئة إلى سلاح ضغط مباشر على المدنيين، في ما يوصف بـ«تسليح الشتاء» .
ومن الناحية الساسية، حمل كانون ثاني/ يناير 2026 حراكًا دبلوماسيًا، تقوده الولايات المتحدة، مع لقاءات غير مسبوقة ومفاوضات ثلاثية وُصفت بأنها جادة ولكنها لا تزال تصطدم بعقدة الشروط الإقليمية والضمانات الأمنية.
أكد الخبراء أن موازين القوى المتغيرة في الحرب الروسية الأوكرانية جعلت الصراع ينتقل من رهانات الحسم السريع إلى معادلة أكثر تعقيدًا تجمع بين الحرب التقليدية وصراع غير متكافئ، في ظل تفوق روسي عسكري واضح مقابل صمود أوكراني مستمر.
وأضاف الخبراء في تصريحات لـ"إرم نيوز" أن تعديلات موسكو في استراتيجيتها العسكرية، إلى جانب تماسكها الاقتصادي، أسهما في ترجيح كفة الصمود وفرض وقائع ميدانية جديدة، بينما كشف استمرار القتال واستنزاف القدرات لدى الطرفين عن استبعاد خيار الحسم العسكري.
وأشار الخبراء إلى أن هذه المعادلة دفعت الأطراف الدولية إلى البحث عن مسار تفاوضي، بعدما باتت موازين القوى عامل ضغط رئيسا يعيد رسم أهداف الحرب وحدودها السياسية والأمنية.
المحلل السياسي والخبير في الشؤون الروسية سمير أيوب قال، إن موازين القوى تظل العامل الحاسم في تحديد مسارات أي صراع دولي، موضحًا أن ما تشهده الساحة الأوكرانية هو مواجهة مباشرة بين روسيا وحلف الناتو، تلعب فيها موازين القوى الدور الأهم في رسم مآلات الحرب.
وقال أيوب لـ"إرم نيوز" إن روسيا دخلت العملية العسكرية وهي تراهن على قوة نارية كبيرة وقدرة سريعة على الحسم، دون تقدير كافٍ لحجم الاستعداد الغربي المسبق لمواجهة موسكو، وهو ما ظهر بوضوح في المراحل الأولى من الحرب.
وأوضح الخبير في الشؤون الروسية، أن موسكو قامت لاحقًا بتصحيح استراتيجيتها العسكرية وتعديل أسلوب عملياتها؛ ما منحها قدرة أكبر على فهم خطط الناتو والتعامل معها بمرونة أعلى.
ولفت المحلل السياسي إلى أن هذه التحولات مكنت موسكو من الصمود في مواجهة عشرات الدول، والحفاظ على تماسك اقتصادها رغم العقوبات الواسعة؛ الأمر الذي انعكس على موازين القوى الميدانية ودفع نظام كييف والدول الأوروبية الداعمة له إلى البحث عن مسار تفاوضي.
وأشار إلى أن الشروط التي كانت تطرحها أوكرانيا وأوروبا في بداية الصراع، وعلى رأسها الانسحاب الروسي الكامل، تراجعت اليوم لصالح حديث عن تجميد الوضع الميداني؛ وهو ما يعكس حجم القوة العسكرية الروسية وقناعة أوروبية بعدم القدرة على تحقيق هزيمة استراتيجية لروسيا.
وأضاف أن اعتماد موسكو على قدراتها الذاتية، إلى جانب ثقة الشارع الروسي بقيادته السياسية، أسهم في إعادة الأطراف الأخرى إلى طاولة التفاوض من موقع أضعف.
وأكد أيوب أن روسيا استفادت كذلك من التباينات بين أوروبا والولايات المتحدة، خاصة في ظل رئاسة دونالد ترامب، معتبرًا أن بعض السياسات والتصريحات كشفت للأوروبيين أن مصدر القلق لا يقتصر على روسيا، بل يمتد إلى سياسات أمريكا نفسها.
من جانبه، قال عماد أبو الرب، رئيس المركز الأوكراني للتواصل والحوار، إن تعقيد موازين القوى في الحرب الروسية الأوكرانية يجعل من الصعب حسمها عسكريًا، رغم امتلاك روسيا قدرات كبيرة وخوضها حربًا طويلة.
وأشار في تصريحات لـ"إرم نيوز" إلى أن الصراع رغم طابعه التقليدي يظل غير متكافئ بحكم الفجوة في القدرات العسكرية والنووية، مقابل صمود أوكراني لافت واستنزاف مستمر للقدرات الروسية.
وتابع: "استمرار المواجهات واستهداف مواقع عسكرية داخل العمق الروسي يؤكد أن خيار الحسم العسكري بات مستبعدًا؛ ما يفرض التوجه الجدي نحو مسار تفاوضي برعاية أطراف حيادية".
وقال رئيس المركز الأوكراني للتواصل والحوار، إن جولة أبوظبي التفاوضية عُقدت بالفعل، على أن تُستكمل جولات أخرى خلال الفترة المقبلة، وفق ما أعلنته الأطراف المعنية.
وأوضح أن نجاح المسار التفاوضي يتطلب جهدًا دبلوماسيًا مكثفًا، لا سيما من الولايات المتحدة ودولة الإمارات، عبر لقاءات منفصلة مع الطرفين وطرح حلول وسط تستند إلى القانون الدولي.
وبين عماد أبو الرب، أن روسيا قد تستفيد من تخفيف العقوبات والحصول على ضمانات أمنية تتعلق بعدم انضمام أوكرانيا إلى الناتو، مقابل ترتيبات أمنية ومناطق منزوعة السلاح.
وأكد أن أوكرانيا تحتاج إلى ضمانات أمنية وتعويضات دولية، إلى جانب ترتيبات تمنع تجدد التصعيد، مشيرًا أن التزامات متبادلة من الطرفين قادرة على إنهاء حرب أثقلت كاهل العالم، وتفادي مخاطر انزلاق دولي أوسع.