وكالة "فارس": إيران تدرس شنّ ضربات ضد إسرائيل "لانتهاكها وقف النار في لبنان"
خلال الأعوام الأخيرة عادت الممرات البحرية في الشرق الأوسط إلى واجهة الأحداث الاقتصادية العالمية، مع تصاعد التوترات الأمنية والعسكرية التي تطال المضائق والممرات البحرية في المنطقة.
المسار الذي يبدأ من مضيق هرمز، ويمر عبر بحر العرب، ثم باب المندب، فالبحر الأحمر، وصولًا إلى قناة السويس، يشكل أحد أهم خطوط التجارة والطاقة في العالم. وأي اضطراب في جزء من هذا المسار ينعكس مباشرة على حركة الشحن العالمية، وأسعار التأمين البحري، وكلفة النقل، وزمن وصول البضائع بين آسيا وأوروبا.
وفي ظل هذه التحولات، يبرز الحديث عن مشاريع بديلة تسعى إلى إعادة رسم مسارات التجارة العالمية، ومن بينها مشروع "قناة بن غوريون". ويتمثل المشروع كممر مائي يستهدف الربط بين خليج العقبة والبحر الأبيض المتوسط عبر صحراء النقب.
ويقوم التصور على إنشاء مسار ملاحي بديل لحركة التجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا، إذ يتجه مسار القناة من خليج العقبة شمالًا، مرورًا بمدينة إيلات، ثم عبر وادي عربة لمسافة تقارب 100 كيلومتر بين جبال النقب والمرتفعات الأردنية، قبل أن يتجه غربًا بمحاذاة حوض البحر الميت الذي ينخفض نحو 430 مترًا عن مستوى سطح البحر.
الدكتور أوميد شوكري، استراتيجي الطاقة والزميل الزائر الأول في جامعة جورج ميسون، قال في تصريحات لـ"إرم نيوز"، إن التوترات في مضيق هرمز وباب المندب تعيد بالفعل تشكيل التجارة العالمية.
وأضاف أن هذه التوترات تشكل خطرًا طويل الأمد جديًا على دور قناة السويس كمسار رئيسي بين أوروبا وآسيا. وأوضح أن مضيق هرمز يحمل ما يقارب ربع تجارة النفط المنقول بحرًا في العالم، بينما يُعد باب المندب البوابة الحيوية إلى البحر الأحمر وقناة السويس، حيث يتعامل مع نحو 10 إلى 15% من التجارة العالمية.
وأشار إلى أن التصعيدات، وخاصة هجمات الحوثيين وعدم الاستقرار الإقليمي الأوسع، دفعت العديد من شركات الشحن إلى إعادة توجيه مساراتها حول رأس الرجاء الصالح. وأدى ذلك إلى انخفاض كبير في حركة المرور عبر قناة السويس في فترات حديثة، وزيادة أوقات العبور وتكاليف الوقود وأقساط التأمين.
وأوضح أنه في حال استمرار عدم الاستقرار، قد تقوم شركات الشحن بإعادة هيكلة مساراتها بشكل دائم، وهو ما يضعف الميزة التنافسية لقناة السويس ويضع ضغطًا مستمرًا على إيرادات مصر من القناة.
وتُقدّر الدراسات أن يبلغ طول قناة بن غوريون نحو 292.9 كيلومترًا (182 ميلًا)، أي أطول بنحو الثلث من قناة السويس (193.3 كيلومترًا). فيما تتراوح التقديرات الأولية لكلفة إنشائها بين 15 و55 مليار دولار أمريكي.
وقال لارس ينسن، الرئيس التنفيذي لشركة "Vespucci Maritime"، في تصريحات خاصة لـ"إرم نيوز"، إن إنشاء قناة جديدة على غرار قناة بن غوريون سيدفع نحو منافسة سعرية مباشرة مع قناة السويس. وأوضح أن ذلك قد يؤدي إلى تقليص الأساس الاقتصادي لكلا المشروعين في حال تشغيلهما بالتوازي.
وبدوره، اعتبر شوكري أن مسارًا بديلًا مثل قناة بن غوريون يمكن أن يصبح مجديًا اقتصاديًا على المدى الطويل، لكنه لا يزال عالي الطابع الافتراضي في المدى المتوسط.
ورجّح أن يتجاوز المشروع كلًا من قناة السويس وباب المندب، مقدمًا ممرًا قد يكون أكثر أمانًا تحت السيطرة الإسرائيلية. وأشار إلى أن جدواه تعتمد على استمرار عدم الاستقرار الإقليمي، ودعم جيوسياسي قوي، وتمويل خارجي كبير.
ولفت إلى أن المشروع لا يزال في إطار المفهوم النظري، وأن غياب الطلب المستمر على مسار بديل، إضافة إلى عدم وجود التزامات سياسية ومالية واضحة، يجعل من غير المرجح تحققه في المدى القريب.
وأضاف ينسن أن هذا النوع من المشاريع لن يغيّر بشكل جوهري من مخاطر سلاسل الإمداد العالمية. وأوضح أن التوترات في مضيق باب المندب أو مضيق هرمز ستؤثر على أي مسار بحري في المنطقة، سواء عبر قناة السويس أو أي قناة بديلة.
سجلت قناة السويس في العام 2021 حادثة جنوح سفينة الحاويات العملاقة "إيفر غيفن"، التي أدت إلى توقف الملاحة لعدة أيام. وتسببت في خسائر كبيرة لشركات الشحن وتأخير مئات السفن.
وقال ينسن إن القنوات البديلة قد تبدو مفيدة في حالات التعطّل المؤقت مثل هذه الحادثة. لكنه أشار إلى أن هذه الحالات تبقى استثنائية ولا تؤسس لنموذج اقتصادي مستقر يبرر استثمارًا طويل الأمد في قناة موازية.
وفي 10 سبتمبر/أيلول 2023، شهدت قمة مجموعة العشرين في العاصمة الهندية الإعلان عن مشروع الممر الهندي – الشرق الأوسطي – الأوروبي. ويمتد المشروع من الهند إلى دبي مرورًا بالسعودية والأردن وصولًا إلى إسرائيل.
ويهدف إلى ربط آسيا بأوروبا عبر شبكة نقل متعددة الوسائط. وفي هذا السياق، يبرز مشروع قناة بن غوريون كأحد المكونات المحتملة ضمن هذا الممر، بحكم موقعه الجغرافي.
وتشير الاتجاهات الحديثة إلى انتقال تدريجي نحو نماذج نقل متعددة الوسائط، تجمع بين النقل البحري والبري واللوجستي ضمن شبكات متكاملة.
يرتبط طرح مشروع قناة بن غوريون بتصاعد التوترات الإقليمية، وبالدور الإيراني في تهديد الممرات البحرية.
وفي المقابل، تحافظ قناة السويس على موقع رئيسي في حركة التجارة العالمية، وتعتمد عليها نسبة كبيرة من تجارة الحاويات والطاقة. كما تواصل مصر تطوير الموانئ والمناطق الصناعية المرتبطة بها.
وتواجه إمكانية تنفيذ المشروع تحديات عملية، تتصدرها كلفة الإنشاء المرتفعة وتعقيد الجدوى الاقتصادية. كما تفرض الطبيعة الجيولوجية الصخرية لمنطقة خليج العقبة وكثافة التضاريس قيودًا تقنية.
ورأى ينسن أن أي إغلاق طويل الأمد للممرات البحرية يرتبط بصراعات إقليمية واسعة. وأشار إلى أن أي تصعيد يشمل مصر أو السعودية أو الأردن قد ينعكس على مدخل خليج العقبة.
وفي ما يتعلق بالتحديات، قال شوكري إن المشروع يواجه عقبات كبيرة. وأوضح أن تقديرات الكلفة تتراوح بين 16 مليار دولار وأكثر من 50 مليار دولار، مع تعقيد هندسي يفوق قناة السويس.
وأضاف أن التنفيذ قد يستغرق أكثر من عقد، إلى جانب مخاطر جيوسياسية وأمنية، ومخاوف بيئية، ومعارضة سياسية محتملة، خصوصًا من مصر.
وأشار إلى أن المشروع يتطلب رسومًا تنافسية، وبنية تحتية حديثة، وطلبًا كافيًا من الشحن العالمي. وأكد أن غياب هذه العناصر سيجعل من الصعب جذب حركة مرور كافية.
تتحدد جدوى المشروع ضمن إطار اقتصادي يشمل نموذج التمويل والطلب الفعلي على الممر الجديد. ولا تتعلق المنافسة مع قناة السويس فقط بالمسار الجغرافي، بل تشمل رسوم العبور واستهلاك الوقود وزمن الرحلة وكلفة التأمين.
وقال شوكري إن تطوير مسار بديل قد يؤدي إلى تآكل إيرادات قناة السويس. وقد يسهم في تحويل جزء من حركة الطاقة والحاويات.
ومع ذلك، أشار إلى أنه من غير المرجح أن يحل محل قناة السويس بالكامل، نظرًا لقيود السعة واقتصاديات المسار وأنماط التجارة الراسخة.
لكنه أوضح أن أي تحويل جزئي قد يدفع إلى تعديل استراتيجيات التسعير وتقليل النفوذ المرتبط بالقناة.
وفي ظل هذه المعطيات، ترتبط الممرات البحرية بعوامل اقتصادية وجيوسياسية متداخلة، تشمل الكلفة والكفاءة والقدرة على العمل ضمن بيئة متقلبة.