الجيش الأمريكي: وصول حاملة الطائرات "جورج بوش" إلى الشرق الأوسط
دخلت حرب إيران إلى دول آسيان من باب النفط والشحن والائتمان، ثم انتقلت سريعًا إلى مستوى القرار السياسي حين ربط وزراء خارجية الرابطة تطورات الحرب بأمن الملاحة في مضيق هرمز، وبإمدادات الطاقة والغذاء والأسمدة.
ثم واصل وزراء المالية ومحافظو البنوك المركزية المسار نفسه حين وضعوا توترات الشرق الأوسط داخل حسابات الاستقرار المالي والنمو، ومنذ ذلك الاجتماع دخلت الحرب مباشرة في حسابات القرار الاقتصادي داخل المنطقة.
وتضم آسيان (مجموعة دول جنوب شرق آسيا) عشر دول هي: الفلبين وماليزيا وسنغافورة وإندونيسيا وتايلاند وفيتنام وبروناي وكمبوديا ولاوس وميانمار، وتتولى الفلبين رئاسة الرابطة خلال العام الحالي.
ورفع النفط كلفة الأزمة على دول آسيان خلال وقت قصير، ثم وسّعت حركة الشحن نطاق هذا الأثر حين دفعت الزيادة في الأسعار وأقساط التأمين وكلفة النقل إلى داخل الموازنات العامة وأسواق الصرف وكلفة الغذاء.
وفي هذا السياق خفّض البنك الدولي تقديراته لنمو شرق آسيا والمحيط الهادئ في العام 2026، وربط التباطؤ بصدمة الطاقة، وبحالة عدم اليقين التي أصابت الاستثمار، ودفعت الحكومات إلى إعادة ترتيب أولوياتها المالية.
ثم جاء تحذير صندوق النقد ليعطي الصورة بعدًا أشد وضوحًا حين أشار إلى انكشاف آسيا الكبير على واردات الوقود القادمة من الشرق الأوسط، وإلى خسائر محتملة في النمو في حال استمر الضغط.
في حين قدمت جاكرتا المؤشر الأوضح على انتقال أثر الحرب إلى الداخل حين أعلنت وزارة المالية في مطلع الشهر الجاري أن إندونيسيا قد تحتاج إلى ما يصل إلى 100 تريليون روبية إضافية لدعم الطاقة خلال 2026، أي نحو 5.9 مليار دولار، بعدما تجاوزت أسعار النفط وسعر الصرف الفرضيات التي بُنيت عليها الموازنة.
هذا التطور وضع الحكومة تحت ضغط مالي مباشر لأن تثبيت أسعار الوقود والكهرباء يستهلك حيزًا أوسع من الإنفاق العام ويدفع الحكومة إلى إعادة ترتيب أولوياتها.
بينما دخلت مانيلا دائرة الضغط المالي مع تسارع أثر الحرب على الطاقة والأسعار، فخفضت وكالة "فيتش" النظرة المستقبلية للتصنيف الائتماني للفلبين إلى سلبية، تحت وطأة صدمة الوقود، وما سحبته من أثر على النمو.
ثم رفع البنك المركزي الفلبيني أسعار الفائدة مع اتساع مخاطر التضخم المرتبطة بالنفط والأسمدة، وتعثر التدفقات عبر مضيق هرمز، لتنتقل الأزمة من سوق الطاقة إلى كلفة الاقتراض والاستثمار والطلب المحلي، وتواجه الحكومة مسارًا يرفع أسعار الوقود والغذاء ويدفع السياسة النقدية إلى التشدد.
في حين دخلت الصين إلى المشهد من باب الطاقة والإمداد، إذ نقلت "رويترز" أن بكين لوحت باستخدام ورقة الطاقة في تعاملها مع الفلبين، بالتزامن مع المناورات العسكرية الأمريكية الفلبينية.
ثم أظهرت بيانات الشحن استمرار تدفقات محدودة من الوقود المكرر إلى دول في جنوب شرق آسيا رغم تقليص الصادرات، وهذا التطور كشف أن بكين قرأت الأزمة كفرصة لتوسيع أثرها داخل منطقة تتأثر مباشرة بحركة الإمداد وبأسعار الطاقة.
بينما تمسك واشنطن بخط الملاحة وبالإيقاع العسكري للحرب، وهذا الحضور يرتبط مباشرة بأمن الشحن والطاقة في المنطقة، لكنه يدفع حكومات آسيان إلى التعامل مع كلفة يومية تفرضها السوق على الوقود والتأمين والنقل.
وعند هذه النقطة يقترب التنافس بين واشنطن وبكين من القرار الاقتصادي اليومي في جنوب شرق آسيا لأن الممرات البحرية والتمويل والإمداد تتحول كلها إلى أدوات نفوذ داخل الأزمة نفسها.
وتتحرك حكومات آسيان تحت ضغط يتجاوز كلفة الحرب المباشرة، لأن أمن الشحن وتدفق الطاقة يشدان المنطقة إلى الحضور الأمريكي في البحر، فيما يفرض ثقل الصين في التجارة والإمداد والتمويل حسابات يومية موازية.
ومن هنا، تضطر عواصم جنوب شرق آسيا إلى إدارة توازن أشد صعوبة داخل لحظة تختلط فيها ضرورات السوق بحسابات الاصطفاف وبسؤال النفوذ في الإقليم.
في المحصلة، اعتمدت آسيان طوال العقود الماضية على انفتاح تجاري واسع، وعلى استقرار الممرات البحرية وانتظام سلاسل الإمداد، ثم جاءت حرب إيران ودفعت هذا البناء كله إلى مواجهة ضغط متزامن على الطاقة والنقل والائتمان.
ولهذا، اكتسب موقف وزراء الخارجية والمال وزنًا سياسيًا مباشرًا، ومن هذه النقطة تعيد آسيان ترتيب موقعها داخل بيئة يتقاطع فيها ضغط الطاقة مع تنافس النفوذ.