واشنطن تعلن أنها أنزلت قوات على سفينة مرتبطة بإيران في المحيط الهندي
تتجه المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران إلى مرحلة أكثر تعقيدًا، حيث لم تعد تقتصر على التصعيد العسكري في البحر، بل امتدت بشكل واضح إلى ساحة الاقتصاد والتمويل، في إطار استراتيجية أمريكية تهدف إلى تقليص قدرة طهران على تمويل أنشطتها الإقليمية والعسكرية، بالتوازي مع فرض ضغوط ميدانية متصاعدة في الخليج العربي ومضيق هرمز.
في هذا السياق، أعلنت واشنطن انتهاء العمل بإعفاء كان يسمح بتداول محدود للنفط الإيراني في الأسواق الدولية، وهو ما يمثل تحولًا مهمًا في سياسة العقوبات.
هذا الإجراء، الذي انتهى في 19 أبريل، أنهى عمليًا نافذة سمحت خلال فترة قصيرة بتصدير كميات كبيرة من النفط الإيراني تُقدّر بنحو 170 مليون برميل، ما أعاد تشديد القيود على أحد أهم مصادر الدخل لطهران، بحسب "إذاعة أوروبا الحرة".
وبالتزامن مع ذلك، صعّدت وزارة الخزانة الأمريكية من حملتها ضد ما تصفه بـ"الشبكات المالية المرتبطة بالأنشطة العسكرية الإيرانية"، عبر فرض عقوبات جديدة تستهدف كيانات وأفرادًا مرتبطين بقطاع الدفاع. وتؤكد الإدارة الأمريكية أن الهدف هو "تجفيف مصادر التمويل التي تغذي الأنشطة العسكرية خارج الحدود".
هذا النهج لا يستهدف النفط فقط، بل يمتد إلى ما يسميه خبراء الاقتصاد الأمني بـ"الاقتصاد الخفي" المرتبط بـالحرس الثوري الإيراني، وهو شبكة واسعة من المؤسسات الاقتصادية التي تعمل داخل وخارج الأطر الرسمية.
تشير تحليلات اقتصادية إلى أن الحرس الثوري الإيراني لا يقتصر دوره على الجانب العسكري، بل يمتلك نفوذًا واسعًا داخل الاقتصاد الإيراني، يمتد إلى قطاعات حيوية مثل الطاقة، البنوك، الاتصالات، الشحن، العقارات، والصناعات الثقيلة. وتعمل هذه الشبكة من خلال مؤسسات شبه حكومية تعرف باسم "بنياد"، وهي كيانات اقتصادية لا تخضع بالكامل للرقابة الضريبية أو المالية التقليدية.
وترى الباحثة راشيل إهرنفيلد، المتخصصة في الاقتصاد الأمني، أن هذا النموذج يمثل "دولة داخل الدولة"، حيث يتم توجيه جزء كبير من الموارد الاقتصادية لدعم البنية العسكرية والأمنية. وتوضح أن هذا النظام تطور منذ الثورة الإيرانية ليخلق اقتصادًا مقاومًا للعقوبات، لكنه في الوقت ذاته معقد وغير شفاف.
وبحسب هذه الرؤية، فإن استهداف هذه الشبكات لا يضرب فقط الإيرادات المالية، بل يهدف أيضًا إلى إضعاف البنية المؤسسية التي يعتمد عليها النظام في تمويل عملياته الخارجية.
بالتوازي مع الضغوط الاقتصادية، تشهد المنطقة تصعيدًا ميدانيًا في واحدة من أكثر النقاط الاستراتيجية حساسية في العالم: مضيق هرمز.
فقد سجلت الأيام الأخيرة اضطرابات في حركة الملاحة، شملت اعتراض سفن واستيلاء على أخرى في إطار عمليات متبادلة بين القوات الأمريكية والقوات الإيرانية أو المرتبطة بها.
وتشير تقارير ملاحية إلى أن الولايات المتحدة قامت باعتراض أو إعادة عشرات السفن خلال الأسابيع الأخيرة، في إطار ما تعتبره إجراءات لمنع تهريب النفط وتطبيق الحصار البحري. في المقابل، تتهم طهران واشنطن بمحاولة خنق تجارتها البحرية وفرض حصار غير معلن على موانئها.
هذا التصعيد أدى إلى حالة من التوتر بين شركات الشحن العالمية، حيث تزايدت المخاوف من عبور المضيق، الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية، ما انعكس على حركة الملاحة وأسعار التأمين البحري.
يرى محللون أن السياسة الأمريكية الحالية تقوم على دمج أدوات اقتصادية وعسكرية ضمن استراتيجية "الضغط الأقصى"، عبر تشديد العقوبات على صادرات النفط الإيرانية، واستهداف شبكات التمويل غير الرسمية، وفرض قيود بحرية واعتراض السفن، إلى جانب تعزيز الوجود العسكري في الخليج ومحيطه.
ويُنظر إلى هذه السياسة باعتبارها محاولة لإجبار إيران على إعادة التفاوض من موقع ضعف، أو تقليص قدرتها على تمويل أنشطتها الإقليمية في حال رفضت الانخراط في محادثات جديدة.
الاقتصاد في مواجهة العقوبات
رغم ذلك، يؤكد خبراء أن الاقتصاد الإيراني أظهر خلال السنوات الماضية قدرة على التكيف مع العقوبات، عبر تطوير قنوات تجارية بديلة، وشبكات شحن غير رسمية، وآليات مالية معقدة لتجاوز القيود الدولية.
لكن في المقابل، يشير هؤلاء إلى أن استهداف البنية الاقتصادية المرتبطة بالحرس الثوري يمثل مستوى جديدًا من الضغط، لأنه لا يستهدف فقط الإيرادات، بل بنية الإدارة والتوزيع نفسها.
يبقى مضيق هرمز محورًا رئيسيًا في هذا الصراع المتصاعد، ليس فقط بسبب أهميته الاقتصادية، بل أيضًا لأنه يمثل نقطة التقاء مباشرة بين القوة العسكرية الأمريكية والنفوذ البحري الإيراني.
وأي اضطراب في هذا الممر ينعكس فورًا على أسواق الطاقة العالمية، ويزيد من احتمالات التصعيد الإقليمي.
وبين العقوبات الاقتصادية المتصاعدة، والتوتر البحري في الخليج، تتجه المواجهة بين واشنطن وطهران نحو نموذج جديد من الصراع المركب، حيث تختلط أدوات الاقتصاد بالسلاح، وتتحول الموانئ والممرات البحرية إلى ساحات ضغط سياسي واستراتيجي.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تنجح استراتيجية الخنق المالي والبحري في تغيير سلوك إيران، أم تدفع المنطقة نحو مرحلة أطول وأكثر خطورة من عدم الاستقرار؟.