في وقت تسعى فيه الولايات المتحدة إلى كسر هيمنة الصين على سلاسل إمداد المعادن الحيوية، وجدت واشنطن نفسها أمام واقع أمني معقد في إقليم بلوشستان الباكستاني، حيث تصاعد تمرد دموي يهدد بإفشال استثمار أمريكي ضخم بقيمة 1.25 مليار دولار، بحسب صحيفة "وول ستريت جورنال".
ففي 31 يناير، شنّ مسلحون انفصاليون هجمات منسقة على أهداف مدنية وحكومية في تسع مدن على الأقل في بلوشستان، ما أدى إلى مقتل 36 مدنيًا و22 من أفراد الأمن، وفق الجيش الباكستاني.
وأعلن "جيش تحرير بلوشستان"، أبرز الجماعات المسلحة في الإقليم، مسؤوليته عن العمليات التي شارك فيها مئات المقاتلين، وردّت السلطات بحملة أمنية واسعة قالت إنها أسفرت عن مقتل أكثر من 200 مسلح.
إعلان إدارة ترامب في ديسمبر الماضي ضخ 1.25 مليار دولار في مشروع منجم "ريكو ديك" جاء ضمن استراتيجية أوسع لتأمين مصادر بديلة للنحاس والمعادن الحيوية، بعد أن استخدمت الصين صادرات العناصر الأرضية النادرة كورقة ضغط في حربها التجارية مع واشنطن.
ويُعد المنجم أحد أكبر احتياطيات النحاس والذهب غير المطورة في العالم، وتمتلك شركة "باريك" الكندية نصفه، فيما تملك الحكومة الباكستانية النصف الآخر.
لكن المشروع، المقرر أن يبدأ الإنتاج عام 2028، يواجه تحديات مزمنة، فقد تعثر لسنوات بسبب نزاعات قانونية حول التراخيص، إضافة إلى هشاشة الوضع الأمني في الإقليم.
وأعلنت الشركة المالكة أنها بدأت مراجعة أمنية جديدة عقب الهجمات الأخيرة.
وترى إسلام آباد في هذا الاستثمار فرصة اقتصادية كبرى، فقد قدّر وزير التخطيط الباكستاني إمكانية رفع صادرات المعادن الحيوية إلى ما بين 6 و8 مليارات دولار سنويًا، مقارنة بنحو ملياري دولار حاليًا.
كما دعت الحكومة كلًا من الولايات المتحدة والصين إلى منتدى استثماري حول المعادن الحيوية في أبريل المقبل، في محاولة لإظهار قدرتها على جذب رؤوس الأموال رغم الاضطرابات.
غير أن خبراء يحذرون من أن الهجمات الأخيرة تشكل "اختبارًا حقيقيًا" لوعود باكستان بتوفير بيئة آمنة للاستثمار، وقال وزير الإعلام الباكستاني السابق، مشاهد حسين، إن تكرار مثل هذه العمليات سيقوض ثقة المستثمرين، سواء كانوا أمريكيين أم صينيين أم غيرهم.
لطالما كانت بلوشستان محورًا للاستثمارات الصينية، خصوصًا ضمن مبادرة "الحزام والطريق"، فقد استثمرت بكين، وفق تقديرات، نحو 70 مليار دولار في باكستان بين عامي 2004 و2025، شملت تطوير ميناء جوادر ومشاريع بنية تحتية كبرى.
كما تدير شركة صينية منجمًا للنحاس في الإقليم أصبح أكبر مصدر لصادرات النحاس الباكستانية إلى الصين.
ورغم استهداف مسلحين بلوش لمواطنين صينيين ومشاريع مرتبطة ببكين في السابق، فإن الصين واصلت استثماراتها دون تراجع واضح؛ إلا أن دخول الولايات المتحدة إلى المشهد يضيف بُعدًا جيوسياسيًا جديدًا، حيث يتحول الإقليم إلى ساحة تنافس مباشر بين القوتين العظميين.
وتحذر ليزا كورتيس، الخبيرة في شؤون جنوب آسيا، من أن المتمردين قد يعتبرون أي وجود أمريكي هدفًا مشروعًا، ما يزيد المخاطر على الشركات الغربية التي كانت تتجنب المنطقة سابقًا بسبب عدم الاستقرار.
يمتد تمرد البلوش لعقود، منذ ضم الإقليم إلى باكستان بعد نهاية الحكم الاستعماري البريطاني. ويقول المسلحون إن الحكومة المركزية تستغل ثروات الإقليم دون أن تعود فوائدها على سكانه.
وفي السنوات الأخيرة، تصاعد الغضب الشعبي على خلفية اتهامات بانتهاكات حقوق الإنسان وحالات اختفاء قسري، وهي اتهامات تنفيها الحكومة.
كما شهد العام الماضي حادثة لافتة تمثلت في احتجاز مئات الرهائن بعد سيطرة مسلحين على قطار، في مؤشر على تطور قدراتهم العملياتية؛ وتتهم باكستان الهند بدعم التمرد، وهو ما تنفيه نيودلهي.
في المحصلة، تجد الولايات المتحدة نفسها أمام معادلة صعبة: الحاجة الملحة لتأمين المعادن الحيوية في مواجهة الصين، مقابل مخاطر الاستثمار في إقليم مضطرب قد يتحول إلى ساحة صراع مفتوح؛ وبين طموحات الجغرافيا السياسية وتعقيدات الواقع الأمني، يبقى مستقبل المشروع الأمريكي في بلوشستان رهنًا بقدرة باكستان على فرض الاستقرار في واحدة من أكثر مناطقها هشاشة.