في الأسبوع الأخير من مارس آذار الفائت، خسر الحزب الديمقراطي الاجتماعي الدنماركي انتخابات تشريعية بأسوأ نتائج له منذ 1903. وفي الأسبوع ذاته، فقد الاشتراكيون الألمان قبضتهم في ولاية رينانيا-بالاتينات، إثر هزيمة أخرى في ولاية بادن-فورتمبرغ حصدوا فيها 5.5% من الأصوات فقط.
وعلى الضفة الأخرى من القنال، يحاصَر رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر من زعماء حزب العمال وبرلمانيين من حزبه، وشعبية تتآكل.
الخيط الواصل بين هذه الهزائم ليس صدفةً، بل أزمة تكاليف المعيشة التي فاقمتها حرب إيران، وفق تحليل نشره موقع بوليتيكو.
ميتي فريدريكسن، رئيسة وزراء الدنمارك، لم تنجُ رغم الشعبية التي اكتسبتها بتحدّيها تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن غرينلاند، فموقفها المتصلّب من المهاجرين وتحالفاتها مع يمين الوسط كلّفاها نزيفاً انتخابياً من الجناحين.
الطبقة العاملة هجرت حزبها نحو حزب الشعب الدنماركي اليميني المتطرف احتجاجاً على غياب معالجة جدية لأزمة المعيشة، بينما انزلق اليسار التقدمي نحو الحزب الاشتراكي الشعبي.
جياكومو فيليبيك، الأمين العام للحزب الاشتراكي الأوروبي، حدّد السبب بوضوح لبوليتيكو: "الغضب" من سوء إدارة أزمة تكاليف المعيشة، وهو غضب "صار أكثر حدةً بفعل حرب إيران التي رفعت أسعار الطاقة أكثر فأكثر."
أما المسؤول المحلي في الحزب فاغن يول-لارسن فلم يتحلَّ بالدبلوماسية وقال: "الناخبون لا يحترمون حزباً لا يتبع سياسته الخاصة"، في تشخيص يختصر أزمة الهوية التي تعصف بيسار الوسط الأوروبي كله.
المحلل السياسي رودريغو فاز، الدبلوماسي البرتغالي السابق لدى الاتحاد الأوروبي، يضع الأصبع على الجرح البنيوي بالقول: "يسار الوسط لا يبدو أنه يعرف موقعه في أوروبا اليوم. أفضت هذه الأزمة إلى الدفاع عن برامج لا تختلف عن يمين الوسط، وهي استراتيجية لا وضوح فيها ولا جاذبية للناخبين".
ويؤكد أن القاعدة التاريخية التي بنى عليها هذا التيار قوّته، وهي العمال الصناعيون والنقابيون والمجتمعات الطبقية، تقلّصت عقب موجة إنهاء التصنيع منذ منتصف الثمانينيات، ولم تجد الأحزاب الاشتراكية بديلاً موثوقاً بعد.
فاز يُدين بالاسم الصريح المستشار الألماني السابق أولاف شولتس الذي وقع في "فخ الوسطية"، وقال إن ستارمر يرتكب "الخطأ ذاته بوسطية عاجزة" تُطيل معاناة الناخبين من تراجع المعيشة ونزيف دولة الرعاية.
في خضم هذا الانهيار العام يبرز استثناء واحد: رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز. الزعيم الاشتراكي الذي يُعدّ من أقل زعماء يسار الوسط الأوروبيين تضرراً في الاستطلاعات، بنى موقعه، وفق المحلل السياسي بابلو سيمون من جامعة كارلوس الثالث في مدريد، على ثلاثة رهانات.
وأوضح أن هذه الرهانات هي: استيعاب أجندة شركائه اليساريين بدل الانسحاب منها كالطاقة المتجددة والنسوية، وتبنّي مواقف جريئة في ملفات كالدولة الفلسطينية، واستغلال أزمات كجائحة كوفيد والحرب الروسية الأوكرانية لتنفيذ إصلاحات هيكلية بدل العودة للوضع السابق.
مسؤول رفيع في الحكومة الإسبانية أكد لبوليتيكو أن "معظم الحكومات انشغلت باستعادة الوضع السابق. ونحن انشغلنا بتغييره."
لكن سيمون يُنبّه إلى تناقض يُهدد هذا النجاح: سانشيز التهم أجندة شركائه اليساريين حتى جعلهم فائضين عن الحاجة وهو ما "قد يدفع تكلفته في انتخابات قادمة، لأنه من دونهم سيعجز عن تشكيل أغلبية حاكمة."
في هذا المشهد، يمنح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يسار الوسط الأوروبي متنفساً غير متوقع.
النائب الأوروبي الاشتراكي الألماني توبياس كريمر يرى أن الاشتراكيين الدنماركيين كانوا سيسقطون بشكل أسوأ لولا صمود فريدريكسن في مواجهة ضغط ترامب على غرينلاند، وأن ستارمر في بريطانيا يجني من رفضه الانجرار إلى حرب إيران تعاطفاً شعبياً يُحسّن أرقامه ولو بصورة هشة.
ومع ذلك فإن كريمر يُحذّر هو الآخر: "لا يمكن بناء برنامج كامل على الرسائل المضادة لـ ماغا (الحركة الأمريكية المؤيدة لترامب)."
وفي الختام تؤكد بوليتيكو أن يسار الوسط الأوروبي يخسر في كل مكان تقريباً لأنه فقد قدرته على تقديم إجابة واضحة لسؤال الحياة اليومية.
حرب إيران لم تصنع هذه الأزمة، بل كشفت عمقها حين رفعت فاتورة الطاقة وأشعلت أسعار المعيشة في وقت تعجز فيه الحكومات عن الرد.