
في كواليس السياسة العراقية لا تُحسم المعارك دائماً بالتصويت بل تُدار بهدوء خلف الأبواب المغلقة.. هكذا بدا المشهد في بغداد حيث لم يكن انسحاب محمد شياع السوداني من سباق رئاسة الحكومة خطوة عابرة بل جزء من "هندسة سياسية" أعادت نوري المالكي إلى الواجهة بوصفه المرشح الأبرز للمرحلة.
فوفق مصادر قيادية في الإطار التنسيقي الشيعي عُقد اجتماع ضيق في منزل زعيم "ائتلاف الأساس العراقي" محسن المندلاوي بعد أيام من زيارة قائد فيلق القدس إسماعيل قاآني إلى بغداد حسم مبدئياً اتجاه الترشيحات وفتح الطريق أمام عودة نوري المالكي إلى الواجهة كخيار أول داخل الإطار.
الاجتماع لم يكن جلسة تقييم روتينية بل محاولة لإعادة ترتيب التوازنات قبل الدخول في مفاوضات أعقد مع القوى السنية والكردية وسط تصاعد الضغوط الإقليمية والدولية واحتمالات توسع المواجهة مع إيران.
وتقول مصادر مطلعة إن السوداني لم يغادر السباق لأنه خسر الدعم فقط بل لأن هامش المناورة بات يضيق داخلياً في ملف الفصائل والسلاح وخارجياً في العلاقة مع واشنطن؛ ما جعله أمام خيارين أحلاهما مرّ.. مواجهة داخلية خطيرة أو انسحاب تكتيكي يجنّبه التحول إلى هدف مزدوج وفقاً للخبراء.
في هذا الفراغ عاد اسم المالكي بقوة فداخل الإطار يُنظر إليه باعتباره اسماً ثقيلاً لمرحلة ثقيلة كمرشح إدارة أزمات لا مجرد رئيس حكومة خدمي.. شبكات نفوذه وخبرته في إدارة المفاصل الأمنية والسياسية تجعل منه بنظر داعميه ضمانة داخلية في حال دخل العراق مرحلة ارتدادات إقليمية قاسية.
لكن هذا الخيار لا يخلو من كلفة.. فخصوم المالكي يرون في عودته رسالة تصعيد لا استقرار بحسب المصادر، وقد يعيد إنتاج الانقسام ويصعّب تشكيل حكومة مستقرة خاصة في ظل حساسية الموقف الدولي.
في الخلفية تتابع إيران المشهد باعتباره جزءاً من معركة أوسع.. طهران تريد حكومة تحافظ على تماسك البيت الشيعي وتمنع في الوقت نفسه أي انفلات فصائلي قد يجر العراق إلى مواجهة مباشرة مع واشنطن أو تل أبيب.. وزيارة قاآني لبغداد جاءت في هذا السياق.
وبين انسحاب محسوب وعودة مثيرة للجدل وتحفظات داخلية وخارجية يتقدم المالكي كخيار شبه محسوم داخل الإطار، لكن الطريق إلى رئاسة الحكومة لا يزال محفوفاً بمفاوضات قاسية في البلاد التي تقف عند مفترق لحظة إقليمية خطرة.