logo
أطفال اليمن يدفعون ثمن "الأدلجة الحوثية"
فيديو

أدلجة القطرات.. كيف حوّل الحوثيون لقاحات شلل الأطفال إلى وباء؟

نجت أسرة اليمني محسن عبد الكريم من شبح القذائف وحقول الألغام في الحديدة.. لكن أصغر أفرادها لم ينجُ من شبح أكثر قسوة يتمثل بالإعاقة..

يعتصر قلب الأب حزنًا كلما نظر إلى طفلته سمر وهي قعيدة الفراش.. صاحبة الخمس سنوات فقدت القدرة على تحريك ساقيها بالكامل.. الأسرة التي نزحت من الحديدة إلى لحج عام 2018.. عادت في زيارة قصيرة منتصف عام 2022.. زيارة تحولت إلى مأساة بعدما أصيبت سمر بفيروس شلل الأطفال.

أخبار ذات علاقة

أطفال اليمن يدفعون ثمن "الأدلجة الحوثية"

اليمن.. الحوثيون يحوّلون حملات شلل الأطفال إلى خطر صحي واسع

سمر اليوم حالها حال عشرات الأطفال في اليمن.. أمر دفع منظمة الصحة العالمية للتحذير من استمرار تفشي فيروس شلل الأطفال المشتقّ من لقاح النمط الثاني في اليمن، بعد تسجيل 29 حالة إصابة جديدة منذ مطلع العام 2025، منها 28 حالة في المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين.

ولأسباب أيديولوجية، منعت جماعة الحوثي في مناطق سيطرتها، شمالي البلاد، حملات التحصين ضد أمراض الطفولة القاتلة، تحت ذرائع تزعم بأن اللقاحات "مؤامرة يهودية، تهدف إلى تدمير المجتمعات".

بدأ هذا التوجّه في معقل الجماعة الرئيس بصعدة، قبل أن يمتد تدريجيا إلى خارجها مع توسّع رقعة سيطرة الحوثيين بعد العام 2014، ليبلغ ذروته مع رفضهم منتصف العام 2016 إدخال 4 شحنات من لقاح شلل الأطفال بعد وصولها إلى مطار صنعاء الدولي عبر منظمات دولية، وفق اتهامات رسمية للحكومة اليمنية.

ولم يمنع تصاعد الإصابات والوفيات الناتجة عن أمراض الطفولة، من تكثيف الجماعة لحملات التحريض ضد اللقاحات عبر قنواتها التلفزيونية ومنصات التواصل الاجتماعي، بوصفها "غير آمنة"، وشرعوا في عرقلة المساعدات الإنسانية المتصلة بالقطاع الصحي.

أخبار ذات علاقة

عناصر من ميليشيا الحوثي

الحكومة اليمنية تحذر الحوثيين من نسف اتفاق الأسرى

وفي أغسطس 2020.. سُجلت أولى إصابات شلل الأطفال في اليمن منذ 2006 بعد إصابة 15 طفلا في صعدة.. ومن هناك بدأ المرض بالانتشار إلى محافظات أخرى.. انتشار أرجعته منظمتا الصحة العالمية واليونيسف إلى ضعف التحصين وتعذر وصول التطعيم إلى صعدة من 2018.

في فبراير 2023، ظهر زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي محذرًا مما وصفه بـ “الاستهداف الأمريكي الإسرائيلي للأمة الإسلامية" عبر عدة مجالات، إحداها المجال الصحي، ومن هنا لم يبقَ هذا الخطاب في إطار التنظير العقائدي، بل تُرجم إلى قرارات ميدانية عطّلت التحصين.

في الشهر ذاته نظمت مؤسستا "بيان" و"صحتنا" التابعتان للحوثيين ندوة حذرت من اللقاحات.. فيما اعتذر مسؤول صحي يتبع للجماعة عن دعمه السابق لها واعتبره ذنبًا كفر عنه بالصيام.

ولم تمض سوى أسابيع قليلة حتى انتقل التشويش على المجتمع إلى منابر المساجد، عبر فرض وزارة الأوقاف التابعة للجماعة خطبًا موحدة تحرّض بشكل مباشر على حملات تطعيم الأطفال.

ومع اتساع نطاق هذا الخطاب، بدأت تداعياته تظهر بوضوح في البيانات الوبائية المقلقة.. ففي حصيلة تنفرد "إرم نيوز" بنشرها بلغ عدد الحالات حتى السابع من ديسمبر 2025، إلى 452 حالة مؤكدة ومثبتة مخبريًا في مختلف أرجاء البلاد، منها 411 حالة في مناطق سيطرة الحوثيين، و41 حالة في المحافظات الحكومية.

وبحسب المعلومات، فإن ما نسبته 8% من الحالات المصابة في مناطق الحكومة، تلقت جرعة واحدة فقط من اللقاح، في حين لم يتلق 92% من المصابين أي من الجرعات.

محافظة صنعاء تتصدر قائمة المناطق الموبوءة بشلل الأطفال في مناطق الحوثيين، بواقع 60 إصابة، تليها الحديدة بـ 54 إصابة ثم ذمار 50 إصابة. فيما تحتل مأرب ولحج المرتبة الأولى بين قائمة المحافظات الواقعة تحت سيطرة الحكومة بـ9 إصابات لكل منهما، تتولهما أبين بـ6 حالات مصابة. 

وبين التحريض والجهل يرى استشاري التحصين والوبائيات، الدكتور عبد اللطيف الواقدي، في حديث خاص لـ"إرم نيوز" أن التطعيم جزء مهم في الجانب الوقائي وهو من أنجع وأفضل الأدوات لحماية الناس ووقايتهم من الأمراض.

وضمن ما يمكن اعتباره "احتواء في وجه الانسداد".. تعمل الحكومة وشركاؤها الدوليون على إيصال اللقاحات إلى السكان في المناطق النائية الذين لا يستطيعون الوصول إلى المرافق الصحية، عبر حملات طارئة بلغت 9 حملات في المناطق الجنوبية منذ عودة شلل الأطفال.

وفيما تتواصل جهود الاستجابة السريعة جنوبا، وسط تحسّن أداء الترصد الوبائي، يحرم الحوثيون ملايين الأطفال في مناطق نفوذهم الأكثر كثافة سكانية في البلاد، من حقّهم في الحصول على لقاحات ضد أمراض الطفولة القاتلة، ومن هنا تقول منظمة الصحة العالمية، إن المرض الذي يُمكن الوقاية منه، بات يهدد حياة 5 ملايين طفل يمني بالشلل الدائم والوفاة، ويشكّل إلى جانب الكوليرا والحصبة والدفتيريا وسوء التغذية الحاد، ضغطا شديدا على القطاع الصحي الذي يشهد تدهورا كارثيا.

وخلال الأعوام الأخيرة، بدأت بلدان الإقليم في تطبيق إجراءات وقائية مشروعة لحماية مجتمعاتها، عبر اشتراط حصول الوافدين من اليمن ما دون سن الـ15 سنة إلى أراضيها، على شهادات تطعيم ضد المرض، في انعكاس مباشر لعواقب السياسات المحلية المؤدلجة التي ضاعفت الأعباء على المسافرين اليمنيين الذين يبحث غالبيتهم عن فرص للعلاج في الخارج.

وفي ظل التعقيدات الناجمة عن تراجع أنشطة المنظمات الدولية والأممية بما فيها الداعمة للقطاع الصحي في مناطق سيطرة الحوثيين، جراء الاعتقالات والقيود التي تفرضها الجماعة على موظفيها وأنشطتها، حذّر الحوشبي من توسع نطاق التداعيات.

ورغم التحصين الروتيني وحملاته التكميلية يتواصل تسجيل الإصابات في مناطق الحكومة، وفقا لما أكده وكيل وزارة الصحة، الدكتور عبد الرقيب الحيدري، ويرجع ذلك إلى عوامل متعددة ومتداخلة، منها انخفاض التغطية التحصينية الفعلية نتيجة صعوبة الوصول إلى بعض التجمعات السكانية، إلى جانب أن الفيروس لا يعترف بالحدود الإدارية في ظل استمرار حركة التنقل بين المناطق المنقسمة.

ومع استمرار الحوثيين في تعطيل التحصين ووقف إرسال العينات الدورية يصبح الفايروس عابرا لخطوط التماس ما يجعل جهود الوقاية في مهب رياح الفشل.. ومن هنا يتحول اللقاح في زمن الحوثيين من وسيلة إنقاذ إلى ضحية للأدلجة فيما يدفع أطفال اليمن النتيجة الأثقل.. نتيجة مرتبطة بإعاقات دائمة ومستقبل صحي كارثي.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2025 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC