
أسبوعان فقط بعد الضربة الأمريكية التي أطاحت بنيكولاس مادورو، لم تتنفس البلاد الصعداء، بل دخلت مرحلة أكثر تعقيداً، حيث الصمت أخطر من الرصاص، والقرارات تُتخذ بعيداً عن العدسات.
على السطح، ظهرت ديليسي رودريغيز كرئيسة مؤقتة، واجهة انتقالية تحاول الإمساك بدولة مترهلة، منهكة اقتصادياً وممزقة سياسياً.
لكن في العمق، كان السؤال الحقيقي يدور همساً في كراكاس وواشنطن معاً: من يملك مفاتيح القوة الفعلية؟
الإجابة تقود إلى اسم واحد: ديوسدادو كابيو.
رجل الظل، ووزير الداخلية، والوجه الأكثر إثارة للقلق داخل النظام. كابيو ليس سياسياً تقليدياً، بل مهندس السيطرة الأمنية.
المفارقة أن الولايات المتحدة، التي اعتقلت مادورو بتهمة الاتجار بالمخدرات، كانت على تواصل مع كابيو نفسه قبل العملية، وخلالها، وحتى بعدها.
رجلٌ مطلوب للقضاء الأمريكي، وموضوع على رأسه مكافأة بـ25 مليون دولار، يتحول فجأة إلى "قناة تواصل ضرورية".
السبب بسيط وخطير في آنٍ واحد. كابيو لا يحكم من القصر، بل من داخل الأجهزة. المخابرات والشرطة والجيش والميليشيات المدنية المعروفة بـ "الكوليكتيفوس".
إذا تحركت هذه المنظومة، يمكن أن تغرق البلاد في فوضى لا تريدها واشنطن، ولا تتحملها رودريغيز.
الولايات المتحدة تراهن على انتقال هادئ، نفط مستقر، ومعارضة غير مُستهدفة. لكن كابيو يملك القدرة على قلب الطاولة، خصوصاً في ظل تاريخ طويل من القمع، وصراع مكتوم مع رودريغيز نفسها.
حتى الآن، يعلن كابيو دعمه للرئيسة المؤقتة، ويشرف على ملف الإفراج عن المعتقلين السياسيين. لكن منظمات حقوق الإنسان تقول إن الإفراج بطيء وبانتقائية مقلقة.
فهل سيسقط كابيو؟ وهل تستطيع أمريكا استئصاله في عملية جراحية دقيقة في قلب الاستخبارات الفينزويلية؟
كثيرون من كاراكاس، وحتى داخل واشنطن، يرون أن أي حديث عن انتقال ديمقراطي حقيقي، لن يبدأ إلا بخروج رجل يعرف كيف يُمسك الدولة من عنقها، دون أن يجلس على كرسي الرئاسة.
فنزويلا اليوم لا تعيش نهاية عهد مادورو ونظامه، بل اختبار توازن، بين رئيسة تحاول تثبيت حكمها، ووزير يستطيع، بكلمة واحدة، أن يفتح أبواب الجحيم أو يؤجلها قليلاً.