
في العلن، يبدو المشهد بين ترامب وإيران أقرب إلى مواجهة مفتوحة لا إلى طريق تفاوض.. تهديدات متبادلة، مهل نهائية، تصعيد محسوب، ورسائل توحي بأن المسافة بين الطرفين تتسع كل يوم، لكن خلف هذا الضجيج، تبدو الصورة أكثر تعقيداً، وربما أكثر براغماتية مما يظهر على السطح.
بحسب قراءة نشرها نيكولاس غروسمان في مجلة فورين بوليسي، فإن ما يجري لا يعكس رفضاً حقيقياً للاتفاق بقدر ما يعكس محاولة من كل طرف للوصول إليه من دون أن يظهر بمظهر المحتاج أو المتراجع. هنا، لا يُستخدم التهديد لإغلاق الباب، بل لتحسين الشروط قبل فتحه.
ترامب يتصرف وفق أسلوبه المعتاد، يرفع السقف، يلوّح بالقوة، يحدد مهلة، ثم يترك لنفسه مساحة للتراجع التكتيكي أو التمديد، وإيران، من جهتها، لا تمنح جواباً مباشراً، بل تلوّح بأوراق الضغط، من الميدان إلى الملاحة، وتبقي باب التفاوض نصف مفتوح، بما يكفي للمساومة لا الحسم.
ومن هنا يمكن فهم تأجيل جولة إسلام آباد، وتمديد وقف إطلاق النار، لا كخطوة إلى الخلف بالضرورة، بل كجزء من لعبة تفاوض يحاول فيها كل طرف إقناع الآخر بأنه قادر على الذهاب أبعد في التصعيد إذا لم يحصل على ما يريد.
في خلفية هذا المشهد، تبقى عوامل الضغط الحقيقية حاضرة: مضيق هرمز، الخسائر الاقتصادية، التوتر العسكري، والخوف من انفجار واسع لا يريده أحد فعلًا. لذلك، فإن التهديد هنا لا يلغي التفاهم، بل قد يكون إحدى أدواته.
في النهاية، لا تبدو القضية مرتبطة بسؤال: هل يريد الطرفان الاتفاق؟ بل بسؤال آخر أكثر دقة: من منهما سينتزع الاتفاق أولًا، من دون أن يعترف بأنه كان يسعى إليه منذ البداية؟