لم تكن الخسارة القاسية التي تلقاها النصر أمام غريمه التقليدي الهلال بنتيجة 1-3 في قمة الجولة الـ15 مجرد هزيمة رقمية في سباق الدوري، بل كانت كاشفة لخلل عميق يتجاوز حدود التكتيك والخطط الفنية.
لقد وضع البرتغالي جورجي جيسوس، المدير الفني للنصر، يده على الجرح الغائر في جسد فريقه عندما أقر بمرارة أن الفارق الحقيقي بين الفريقين لم يكن في جودة الأقدام، بل في صلابة العقول.
تصريحات جيسوس الصادمة، التي امتدح فيها برود أعصاب لاعبي الهلال، فريقه السابق – وانتقد فيها انفلات لاعبيه الحاليين، تفتح الباب أمام تحليل أعمق لما يملكه الزعيم ويفتقده العالمي في المواعيد الكبرى.
الثبات الانفعالي.. بين العودة والانهيار
أول ملامح هذا التفوق الهلالي يكمن في رد الفعل لحظة استقبال الأهداف، فالهلال، المشبع بثقة البطل، يتعامل مع تأخره في النتيجة كحدث عارض يمكن تداركه.
لاعبو الأزرق يمتلكون قدرة عجيبة على امتصاص الصدمة والعودة لبناء الهجمات بهدوء يُحسدون عليه، في المقابل، كشفت المباراة أن اهتزاز شباك النصر بمثابة إعلان انهيار للمنظومة؛ حيث يتحول الفريق فجأة من مجموعة منظمة إلى أفراد تسيطر عليهم العصبية، وتضيع الخطط الفنية وسط رغبة متسرعة وغير مدروسة في التعويض؛ ما يفتح مساحات شاسعة يستغلها الخصم لمضاعفة النتيجة.
فخ الاستفزازات.. درس العقيدي القاسي
لعل المشهد الأكثر تعبيرا عن هذا الفارق الذهني هو واقعة طرد الحارس نواف العقيدي، في المباريات الكبرى، يُعتبر الاستفزاز جزءا من اللعبة، وهو فن يتقنه لاعبو الهلال بخبث كروي مشروع لجر الخصم خارج أجواء المباراة.
نجح الهلاليون في الحفاظ على هدوئهم، بينما سقط النصراويون في الفخ السهل؛ إذ خروج العقيدي عن النص وضربه للاعب المنافس بدون كرة لم يكن مجرد خطأ انضباطي، بل كان دليلاً صارخًا على الهشاشة النفسية التي يعاني منها الفريق الأصفر، حيث يسهل إخراج نجومه عن تركيزهم بمجرد احتكاك بسيط أو قرار تحكيمي جدلي.
ثقافة الفوز.. بين العادة والضغط
النقطة الجوهرية التي أشار إليها جيسوس هي الاعتياد على الفوز؛ إذ يدخل لاعبو الهلال مباريات الديربي وكأنها يوم عادي في المكتب؛ فهم لا يحتاجون لإثبات أنهم أبطال، لأن تاريخهم القريب يشهد بذلك.
هذا الهدوء يمنحهم أفضلية ذهنية هائلة، على النقيض تماما، يلعب نجوم النصر تحت ضغط رهيب تفرضه الجماهير والرغبة الجامحة في إثبات الذات وإنهاء سطوة الغريم، هذا الضغط النفسي الزائد يتحول إلى أثقال في أرجل اللاعبين؛ ما يفقدهم المرونة والدقة في اللحظات الحاسمة.
التحكم في الرتم.. خبرة قتل المباراة
أخيرا، يتجلى الفارق في إدارة المباراة، حيث يمتلك الهلال، بفضل خبرات لاعبيه التراكمية، القدرة على التحكم في إيقاع اللعب؛ يعرفون متى يسرعون الهجمة للدغ الخصم، ومتى يموتون الكرة لقتل حماسة المنافس وامتصاص فورة غضبه.
هذه الخبرة في التحكم بالرتم هي ما يفتقده النصر حاليا، الذي غالبا ما ينجرف وراء حماسته الزائدة، فيلعب بإيقاع سريع ومفتوح يخدم منافسه الأكثر دهاءً وتنظيما.
في النهاية، يبدو أن جيسوس محق؛ النصر لا يحتاج فقط لصفقات بملايين الدولارات، بل يحتاج لعمل نفسي ضخم لزرع شخصية البطل التي تعرف كيف تفوز بأعصاب باردة، تماما كما يفعل الجار اللدود.