logo
العالم
خاص

من قبة البرلمان إلى لوائح الإرهاب.. كيف تتحضّر فرنسا لتجريم "الإخوان"؟

العلم الفرنسي وشعار جماعة الإخوانالمصدر: وسائل إعلام

يشهد البرلمان الفرنسي في المرحلة الراهنة نقاشاً منظّماً حول موقع جماعة الإخوان المسلمين داخل المنظومة القانونية والأمنية للدولة، ضمن مسار تشريعي واضح يستند إلى معطيات رسمية قُدّمت للنواب خلال الأسابيع الأخيرة، تتعلّق بطبيعة حضور الجماعة وشبكاتها في الفضاء المدني الفرنسي.

وأكد مصدر دبلوماسي فرنسي مطّلع على ملفات الأمن الداخلي، أن السلطات الفرنسية باتت تتعامل مع نشاط جماعة الإخوان المسلمين داخل فرنسا باعتباره مشكلة تنظيمية تمسّ تماسك الدولة وقدرتها على ضبط الفضاء المدني، مشيرًا إلى أن الهياكل المرتبطة بالإخوان استغلّت لسنوات الإطار القانوني الفرنسي لبناء شبكات مستقرة داخل المجتمع.

أخبار ذات علاقة

علم الإخوان المسلمين

"الكتائب الرقمية".. سلاح "الإخوان" الجديد لاختراق أوروبا

وأضاف المصدر لـ"إرم نيوز"، أن التقديرات الرسمية تشير إلى وجود منظومة جمعيات ومؤسسات واجهة تعمل بتنسيق غير معلن، وتتمتع بقدرة عالية على إعادة التموضع عند كل تشديد قانوني، موضحاً أن "الدولة باتت تعتبر هذا النمط من العمل منظومة نفوذ تسعى إلى فرض قواعدها داخل مساحات محلية محددة".

وأقرت لجنة الشؤون الأوروبية في الجمعية الوطنية الفرنسية، يوم أمس الجمعة، مشروع قرار يدعو إلى الدفع باتجاه إدراج جماعة الإخوان المسلمين على القائمة الأوروبية للمنظمات الإرهابية. المشروع قدّمه النائب عن حزب الجمهوريين، إريك بوجيه، وجاء في سياق نقاش متزايد داخل البرلمان حول دور التنظيمات العابرة للحدود، وآليات تعامل الاتحاد الأوروبي معها.

وفق النص المعروض على اللجنة، يستند مشروع القرار إلى مقاربة تعتبر جماعة الإخوان جزءاً من بنية أيديولوجية وتنظيمية أوسع، تُسهم في إنتاج بيئات حاضنة للتطرف، حتى في غياب الارتباط المباشر بعمليات عنف.

المشروع يدعو الحكومة الفرنسية إلى استخدام قنواتها داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي، لا سيما المفوضية الأوروبية ومجلس الاتحاد، من أجل إطلاق تقييم قانوني شامل لوضع الجماعة، تمهيداً لاتخاذ قرار أوروبي منسّق.

البرلمان يُشرعن المسار الأوروبي

مصادر برلمانية فرنسية أوضحت أن اعتماد المشروع داخل لجنة الشؤون الأوروبية يشكّل خطوة إجرائية أولى لنقل الملف من المستوى الوطني إلى المستوى الأوروبي، مع الإشارة إلى أن المشروع سيُحال، خلال الأيام المقبلة، إلى لجنة الشؤون الخارجية، قبل إدراجه على جدول أعمال الجلسة العامة المقررة في 22 كانون الثاني الجاري.

وقالت المصادر البرلمانية لـ"إرم نيوز"، إن التعامل مع ملف جماعة الإخوان المسلمين لم يعد يحتمل المعالجات الجزئية أو المؤجلة، موضحًة أن "البرلمان يناقش، اليوم، وقائع ملموسة، وليس تصوّرات نظرية حول دور الجمعيات أو الخطاب الديني".

وأضافت أن عدداً من النواب اطّلعوا على معطيات تفصيلية تتعلّق بعمل شبكات مرتبطة بالإخوان داخل فرنسا، تشمل: نشاطات تعليمية، جمعيات محلية، ومسارات تمويل معقّدة، مؤكدًة أن حجم هذه المعطيات فرض نفسه على جدول الأعمال التشريعي، ولم يعد من الممكن تجاهله.

ولفتت إلى أن البرلمان يعمل، حالياً، على مراجعة عدد من النصوص القانونية المرتبطة بالجمعيات ذات الطابع الديني والثقافي، لافتًة إلى أن البرلمان بات يتعامل مع الإخوان كقضية تتصل بالنظام العام وإدارة المجال العام.

البرلمان الفرنسي يغلق مسارات الالتفاف

المصادر أكدت أن الأغلبية البرلمانية ترى ضرورة قطع الطريق أمام إعادة إنتاج الشبكات نفسها بأسماء قانونية جديدة، موضحةً أن "أي تعديل تشريعي يجري العمل عليه يأخذ في الحسبان خبرة السنوات الماضية، حيث كانت بعض الكيانات تُحلّ شكلياً ثم تعود إلى العمل بسرعة عبر واجهات مختلفة".

وبالتوازي مع هذا المسار، استثمرت كتلة حزب الجمهوريين ما يُعرف بـ"النافذة البرلمانية" السنوية لطرح حزمة مبادرات تشريعية ذات طابع سيادي وأمني، كان من أبرزها ملف جماعة الإخوان المسلمين. هذه النافذة تمنح الكتل البرلمانية حق تحديد جدول أعمال محدود، تُطرح خلاله مشاريع قوانين أو قرارات خارج أجندة الحكومة.

المبادرة التي قدّمها نواب الجمهوريين ركّزت على ضرورة تبنّي موقف فرنسي أكثر صرامة داخل الاتحاد الأوروبي، وعدم الاكتفاء بالإجراءات الوطنية. كما شدد النص البرلماني على أن بقاء المقاربات مجزّأة بين الدول الأعضاء يتيح للجماعة إعادة توزيع نشاطها التنظيمي داخل أوروبا، مستفيدة من الفوارق القانونية بين الأنظمة الوطنية.

التحرك يعكس توجهاً واضحاً داخل اليمين الفرنسي لإخراج ملف الإخوان من دائرة النقاش العام الفضفاض، وتحويله إلى قضية تشريعية ذات مسار محدد، مع الضغط على الحكومة لدعم هذا الاتجاه داخل المؤسسات الأوروبية.

ووفق مصادر مطلعة، فإن هذا الطرح يحظى بدعم متزايد داخل البرلمان، حتى خارج صفوف الجمهوريين، نتيجة تراكم تقارير أمنية وإدارية خلال الفترة الماضية.

تشديد الرقابة وتوسيع الصلاحيات

وفي سياق متصل، كشف المصدر الدبلوماسي الفرنسي  المطّلع على ملفات الأمن الداخلي، لـ"إرم نيوز" عن رصد الأجهزة الفرنسية، خلال العامين الماضيين، محاولات منظّمة للتأثير على الحياة المحلية، عبر علاقات مباشرة مع بلديات، وإدارة مرافق تعليمية خاصة، والسيطرة التدريجية على مجالس إدارة جمعيات دينية وثقافية، معتبراً أن هذا السلوك يتعارض مع أسس التنظيم الجمهوري، ويقوّض حيادية الفضاء العام.

وأوضح أن وزارة الداخلية تعمل، حالياً، على إعداد ملفات قانونية مكتملة ضد عدد من الكيانات المرتبطة بالإخوان، تشمل: وثائق مالية، ومسارات تمويل خارجية، وصلات تنظيمية داخل فرنسا وخارجها.

وأكد المصدر أن باريس تعتبر أن الإخوان استفادوا من تردّد الدولة في مراحل سابقة، وأن هذا التردّد انتهى عملياً، موضحاً أن "التسامح الإداري الذي ساد لسنوات لم يعد قائماً، وأن أي كيان يثبت تورّطه في إدارة نشاط تنظيمي موازٍ سيواجه إجراءات مباشرة".

وختم المصدر بالقول إن الدولة الفرنسية ماضية في هذا المسار حتى نهايته، مؤكداً أن تفكيك شبكات الإخوان داخل فرنسا بات خياراً مؤسساتياً ثابتاً.

وتعمل الأغلبية الرئاسية على إدخال تعديلات قانونية تسمح بتشديد الرقابة على الجمعيات ذات الطابع الديني، وتوسيع صلاحيات الدولة في متابعة مصادر التمويل، وإعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والتعليم الخاص. هذه التعديلات تُربط بإمكانية تصنيف كيانات محددة على المستوى الوطني ضمن أطر أمنية واضحة.

كما أن الملف الفرنسي يتقاطع مع نقاشات جارية داخل الاتحاد الأوروبي حول تنظيمات الإسلام السياسي، وشبكاته العابرة للحدود.

وتشير معطيات دبلوماسية إلى تنسيق بين باريس وعدد من العواصم الأوروبية بهدف توحيد المقاربة القانونية، ومنع انتقال النشاط التنظيمي بين الدول الأعضاء.

تفكيك مشروع الإخوان داخل فرنسا

من جانبه، يرى لوران بوفريه، الباحث الفرنسي المتخصص في علم الاجتماع السياسي والحركات العابرة للدولة، أن الإشكالية الأساسية التي تواجهها فرنسا مع جماعة الإخوان تتجلّى من خلال طبيعة العلاقة التي حاولت الجماعة فرضها مع الدولة على مدى سنوات.

ويقول بوفريه خلال حديثه لـ"إرم نيوز" إن الإخوان عملوا داخل السياق الفرنسي على إنتاج شكل خاص من "التمثيل الذاتي"، حيث قدّموا أنفسهم كوسطاء اجتماعيين داخل بعض الفضاءات المحلية، ما سمح لهم بتجميع رأس مال اجتماعي مستقل عن مؤسسات الدولة. هذا النمط، بحسب تحليله، خلق وضعاً إشكالياً، لأن الدولة الفرنسية لا تعترف تاريخياً بوسطاء جماعيين دينيين داخل المجال العام، وترى في ذلك خلخلة لمنطق المواطنة الفردية.

ويضيف أن التحول الحالي في الموقف الفرنسي يعكس إدراكاً متأخراً لحدود سياسة التسامح الإداري التي اتُّبعت سابقاً، موضحاً أن الإخوان استفادوا من هذا الهامش لتثبيت حضور طويل الأمد داخل التعليم والجمعيات، دون الدخول في صدام مباشر مع الدولة.

أخبار ذات علاقة

2025.. عام مواجهة نفوذ "الإخوان" في أوروبا

من باريس إلى برلين.. تقارير استخباراتية وإجراءات قانونية تحاصر "الإخوان"

الإخوان بين أنظمة أوروبا

من جانبه، يرى ماتياس كروغر، الباحث الألماني المتخصص في السياسات الأمنية الأوروبية، أن المشكلة الكبرى في التعامل مع جماعة الإخوان داخل أوروبا كانت بسبب غياب التنسيق السياسي والقانوني بين الدول الأعضاء.

وبحسب حديث كروغر لـ"إرم نيوز"، فإن الجماعة اعتمدت على استغلال التفاوت بين الأنظمة القانونية داخل الاتحاد الأوروبي، حيث شددت بعض الدول الرقابة، فيما حافظت دول أخرى على مقاربات أكثر ليونة، ما سمح بانتقال النشاط التنظيمي وتوزيع الأدوار عبر الحدود. هذا الواقع كما يقول، جعل أي إجراء وطني معزولاً ومحدود الأثر، وأبقى التنظيم في حالة تكيّف دائم.

ويشير إلى أن التحركات الفرنسية الأخيرة تُقرأ أوروبياً كاختبار لقدرة دولة مركزية على كسر هذا النمط، عبر دفع الملف إلى مستوى أوروبي أوسع. كروغر يرى أن إدراج الإخوان، سيشكّل سابقة قانونية مهمة.

واختتم حديثه بالقول، إن مستقبل التعامل الأوروبي مع الجماعة سيُحسم بين استمرار المقاربات الوطنية المتباعدة، أو الانتقال إلى إطار قانوني مشترك يغلق الفجوات القائمة. من وجهة نظره، ما يجري في باريس قد يكون نقطة الانطلاق الفعلية لهذا التحول.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2025 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC