تمارس الصين نفوذًا اقتصاديًا ودبلوماسيًا هائلًا في أفريقيا عبر وجودها في ربع موانئ القارة، لا سيما على طول طرق التجارة للمعادن الحيوية، في حين حوّلت بعض هذه الموانئ إلى قواعد عسكرية.
وأصبح التوسع السريع للصين في بناء الموانئ في أفريقيا أحدث أدواتها لتعزيز نفوذها؛ ففي القارة تُعدّ شركات الشحن الصينية من المساهمين الفاعلين في 78 ميناءً، معظمها في غرب أفريقيا، موزعة على 32 دولة.
وتشارك هذه الشركات في جميع مراحل تطوير الموانئ، مرورًا بالتمويل والبناء، وصولًا إلى التشغيل والمساهمة.
كما تُظهر البيانات الرسمية أن الوجود الصيني في أفريقيا يشمل ما يقرب من ثلث الموانئ التجارية النشطة في القارة، والبالغ عددها 231 ميناءً.
ويرى مراقبون أن بكين، من خلال هذه الشركات المملوكة للدولة، تستطيع التأثير في سير عمل النظام التجاري للبلاد، والمعايير التي تتبناها، والتقنيات التي تستخدمها، والشركاء الذين تثق بهم، مما يثير بالتالي مسألة سيادة الدول الأفريقية التي تستضيف هذه البنى التحتية للموانئ الصينية.
والصين لديها كل شيء لتكسبه، إذ "تجني ما يصل إلى 13 دولارًا من عائدات التجارة مقابل كل دولار تستثمره في موانئها"، كما كتب مركز الدراسات الاستراتيجية الأفريقية، وهو مؤسسة تابعة لوزارة الدفاع الأمريكية أنشأها وموّلها الكونغرس.
إضافة إلى ذلك، تمتلك الصين خيار تحويل هذه الموانئ لأغراض عسكرية، وفقًا لمركز الأبحاث الذي يتخذ من واشنطن مقرًا له.
ويشير المركز إلى أن "تطوير ميناء دوراليه في جيبوتي، الذي طالما قُدِّم على أنه مشروع تجاري بحت، قد تم توسيعه في عام 2017 لاستيعاب قاعدة بحرية".
وتمتلك الصين بالفعل هذه القاعدة البحرية في جيبوتي، التي افتُتحت عام 2017، وهي أول منشأة عسكرية دائمة لها في الخارج.
ووفقًا لتحليلات عدة، يمكن أن تُستخدم موانئ أفريقية أخرى – مثل ليكي في نيجيريا، ومومباسا في كينيا، وخليج والفيش في ناميبيا، ودار السلام في تنزانيا – كنقاط دعم لوجستي للبحرية الصينية.
وبالنسبة لبكين، تهدف هذه الاستثمارات في المقام الأول إلى تأمين طرقها التجارية وسلاسل الإمداد. لكن بالنسبة لبعض المراقبين الغربيين، قد تسمح هذه الاستثمارات أيضًا للصين بتوسيع نفوذها الاستراتيجي تدريجيًا على طرق الشحن العالمية الرئيسية.
وتُظهر خريطة للمركز أن 29 ميناءً لها استخدام مزدوج (تجاري وعسكري)، وأن 6 موانئ أخرى، باستثناء ميناء جيبوتي، تقع في مناطق استراتيجية للغاية للسيطرة على المعادن والمواد الخام الحيوية وتصديرها، ولديها إمكانات جدية للتطوير إلى موانئ عسكرية.
وفي إطار مبادرة الحزام والطريق، تهدف بكين إلى السيطرة على "6 ممرات و6 طرق والعديد من الدول والموانئ"، 3 من هذه الممرات تعبر أفريقيا، بما في ذلك شرق القارة.
ويخدم السيطرة على الموانئ قرار الصين إلغاء الرسوم الجمركية على الواردات من 53 دولة أفريقية تربطها بها علاقات دبلوماسية، اعتبارًا من الأول من مايو/أيار، كجزء من توجه أوسع نحو تعزيز العلاقات الاقتصادية الصينية الأفريقية.
ويهدف هذا القرار رسميًا إلى تسهيل وصول المنتجات الأفريقية إلى السوق الصينية، وتشجيع زيادة الصادرات من القارة الأفريقية إلى ثاني أكبر اقتصاد في العالم.
وبلغ التبادل التجاري بين الجانبين مستويات تاريخية؛ فبحسب بيانات الجمارك الصينية، بلغت صادرات بكين إلى القارة الأفريقية نحو 225 مليار دولار أمريكي في عام 2025، مقارنةً بـ123 مليار دولار أمريكي من الصادرات الأفريقية إلى الصين، بفارق قدره 102 مليار دولار أمريكي.