أكدت مصادر مطلعة في البيت الأبيض وأخرى دبلوماسية أمريكية، أن جميع التحركات والتجهيزات العسكرية للولايات المتحدة تجاه إيران لا تعكس، حتى الآن، نية تنفيذ ضربة واسعة أو خوض حرب مفتوحة، وإنما تندرج في إطار خيارات محدودة وموجهة قد تستهدف مواقع بعينها، من بينها منشآت تابعة للحرس الثوري، أو مقر قيادة، أو مواقع حساسة أخرى تابعة للنظام.
وبيّنت المصادر في تصريحات لـ"إرم نيوز" أن الهدف من العملية العسكرية الأمريكية، حتى الساعات الأخيرة، يتمثل في توفير ضمانات لواشنطن بأن تسعى طهران إلى الدخول في مفاوضات جدية.
وأوضحت أن إيران حاولت، خلال العام الماضي، أكثر من 5 مرات التمهيد لمفاوضات مباشرة عبر اتصالات ورغبات أبدتها طهران، إلا أن الإدارة الأمريكية رأت في تلك المحاولات مناورة من قبل النظام الإيراني، تهدف إلى كسب الوقت وتعطيل إدارة الرئيس دونالد ترامب عن اتخاذ إجراءات تتعلق بتخصيب اليورانيوم، أو تأخير فرض حزم عقوبات أمريكية، لا سيما تلك التي تستهدف مسؤولين في النظام متورطين في شبكات تهريب النفط.
وفي وقت سابق، قالت وسائل إعلام إيرانية، إن ترامب طرح 4 شروط رئيسة كقاعدة لأي اتفاق محتمل مع طهران، واصفة هذه المطالب بأنها "تغلق عمليًا باب التسوية" وتشير إلى أن واشنطن بدل السعي الحقيقي إلى اتفاق، تعمل على تهيئة الأجواء لتصعيد المواجهة.
ومن ضمن هذه الشروط الأمريكية وفقاً لمصادر إيرانية، "الإغلاق الكامل للبرنامج النووي الإيراني، وتسليم جميع كميات اليورانيوم المخصب بنسب 3.67% و20% و60%، وفرض قيود على مدى وعدد الصواريخ الباليستية الإيرانية.
ويأتي ذلك في الوقت الذي نفى المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية صحة ما تداولته وسائل إعلام إسرائيلية بشأن تبادل رسائل بين وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي وستيف ويتكوف، المبعوث الخاص للرئيس ترامب، واصفاً هذه المزاعم بأنها "عارية عن الصحة وتندرج ضمن سلسلة الأكاذيب الدعائية الصادرة عن إسرائيل".
وفي ظل هذه الأجواء، أعلن الجيش الأمريكي، أمس الاثنين، أن حاملة الطائرات "يو إس إس أبراهام لينكولن" ومجموعتها قد وصلت إلى الشرق الأوسط؛ ما يعزز بشكل كبير قوته النارية في المنطقة في ظل تصاعد التوترات مع إيران.
ويقول مصدر مطلع بالبيت الأبيض، إن جميع التجهيزات العسكرية الأمريكية والتي هي إلى الآن، لا تعكس القيام بضربة طويلة أو حرب مفتوحة، غرضها حتى الساعات الأخيرة، أن يكون هناك ضمان لواشنطن بأن تسعى طهران للتفاوض بجدية.
وقال المصدر في تصريحات لـ"إرم نيوز"، إن الرئيس ترامب لا يريد الحرب وقد اهتم في الفترة الأخيرة بإنجاز خطوط اتصال مع طهران للتفاوض وهذا الأمر مازال جارياً عبر أكثر من شكل ومنها اتصالات دبلوماسية عبر دول عربية وإقليمية، ولكن هذه المرة يريد الرئيس الأمريكي أن تكون هناك أسس جدية في التفاوض وليس لـ"لعبة الوقت".
وأفاد المصدر أنه على مدار العام الأول من الولاية الثانية للبيت الأبيض، جرت أكثر من 5 محاولات للتمهيد لمفاوضات مباشرة مع إيران، إلا أنها باءت جميعها بالفشل بسبب تعنت النظام الإيراني، رغم أن الاتصالات ومبادرات إبداء الرغبة كانت تنطلق من طهران.
وأوضح أن النظام الإيراني اعتاد استخدام هذا المسار كمناورة سياسية لكسب الوقت، بالتوازي مع تسريع عمليات تخصيب اليورانيوم، أو في محاولة لتعطيل فرض حزم عقوبات أمريكية جديدة، ولا سيما تلك التي تستهدف مسؤولين في النظام متورطين في شبكات تهريب النفط.
واستطرد المصدر بالقول إن حرب الـ12 يوما، جاءت بعد أن كان التفاوض المباشر على بعد خطوة ولكن تراجعت إيران؛ لأنها طلبت قبل إعلان ترامب المضي رسمياً في هذا الأمر، أنها تريد 3 أشهر لتقديم رد على التفاوض وذلك بعد أيام من قبولها ذلك، وفق قوله.
وتابع المصدر في هذا الصدد، أن ترامب كان سيقدم جانبا كبيرا من رفع العقوبات وحوافز متعددة مقابل التعامل مع التخصيب من خلال الوكالة الدولية للطاقة الذرية واستكمال عمليات التفتيش على المنشآت النووية، بجانب وضع برنامج لإنهاء خطر القدرات الصاروخية من خلال لجنة دولية من بينها دول أوروبية وإقليمية تتعامل بخصوص المدى الصاروخي.
من جانبه قال مستشار الرئيس الأمريكي السابق للأمن القومي، الدبلوماسي مارك فايفل، إن موقف الولايات المتحدة تجاه إيران بات واضحًا، ويتمحور حول 3 مطالب رئيسية: أولها إنهاء البرنامج النووي الإيراني بشكل كامل، لا تجميده أو إدارته، بل إيقافه نهائيًا عبر آلية قابلة للتحقق. وثانيها وقف ما وصفه بـ"حروب إيران بالوكالة" في غزة ولبنان وسوريا والعراق وغيرها، والكف عن استخدام الميليشيات للضغط على إسرائيل ودول المنطقة والقوات الأمريكية، أما المطلب الثالث، فيتعلق بوقف قتل المواطنين على خلفية الاحتجاجات الداخلية، وهي مسألة قال إنها تؤثر بشكل مباشر على طريقة تعامل المجتمع الدولي مع النظام الإيراني وتقييم شرعيته.
ويؤكد فايفل في تصريحات لـ"إرم نيوز"، أن الجدل الحقيقي ليس حول ما إذا كانت المفاوضات جارية، بل ما إذا كانت إيران مستعدة لتقديم ما يكفي من هذه التنازلات لتغيير حسابات الرئيس ترامب.
وصرح مسؤول الاتصالات السابق في البيت الأبيض، أنه حتى الآن، لا توجد مؤشرات تُذكر على استعداد طهران للامتثال الكامل، لافتاً إلى أن التنازلات المحدودة قد تُبطئ وتيرة الأحداث، لكنها قد لا تكون كافية لمنع اتخاذ إجراءات، في وقت خلصت واشنطن إلى أن النظام يماطل فحسب، ولهذا السبب يُعدّ الحشد العسكري مهمًا، وهو في الحقيقة ليس مجرد رمز، بل هو تحذير.
وشدد فايفل على أن ترامب لا يحتاج إلى حرب شاملة لإيصال رسالته، حيث يمكن استخدام ضربة مُوجّهة ضد وحدة تابعة للحرس الثوري الإيراني، أو موقع قيادة، أو أي موقع حساس آخر للنظام ، وذلك للإشارة إلى نفاد الصبر، وذلك دون إشعال فتيل صراع أوسع.
ويرى فايفل أن تأخير طهران ينطوي على مخاطر، حيث لا تملك خطة واضحة لخلافة السلطة، وتواجه ضغوطًا داخلية متزايدة، وهامش خطأ ضئيلا، والخيار أمام النظام محدود، إما إجراء تغييرات حقيقية، أو تحمّل ضغوط تهدف إلى إضعافه، لا احتلاله.
فيما ذكر قيادي في الحزب الجمهوري، أن هذا الحشد الأمريكي نحو النظام الإيراني، يجب أن ينتج عنه ردع للسلطة هناك، خاصة بعد أن بات هناك نجدة من الداخل للرئيس ترامب مع الاحتجاجات الأخيرة، والمطلوب الآن عدم تدخل مباشر ولكن إعادة التفكير من المسؤولين في طهران، بالدخول في عملية مجدية تمنع المخاطر عن الجميع.
وأوضح القيادي الجمهوري الذي رفض ذكر اسمه، في تصريحات لـ"إرم نيوز"، أن هذا الحشد العسكري سينتج عنه عملية عسكرية وهذا أقرب لأوراق الرئيس ترامب حتى يكون هناك تفاوض، وذلك لعدة اعتبارات منها دولية وأخرى داخلية.
واستكمل القيادي الجمهوري، أن ترامب لا يريد التخلص من هذا النظام؛ لأن مدة صلاحيته مازال لها بعض الوقت ولكن يجب أن تكون هناك أنسجة جديدة تتعامل مع الواقع، لا تكون ميتة بهذا الشكل، وفق تعبيره.