لا يشبه الحديث المتكرر خلال الأيام الأخيرة عن "تأجيل الضربة" على إيران، أو تراجع احتمالات الحرب ضدها، لغة التهدئة بقدر ما يشبه "ستاراً سياسياً" يجري استخدامه لتخفيض مستوى التأهب الإيراني في لحظة حساسة.
وفقاً لمراقبين، فإن ما يُضخ من رسائل مطمئنة في العلن لا يتطابق مع ما يجري في العمق؛ اتصالات أمنية متقدمة، تقييمات عسكرية متصاعدة، وإجراءات احترازية في أكثر من نقطة داخل الإقليم، ما يعطي انطباعاً بأن غرفة العمليات لم تُغلق، بل انتقلت فقط إلى وضع أكثر صمتاً.
أمريكا.. خطاب يجمع نقيضين
اللافت أن الخطاب الأمريكي تحديداً يبدو مدروساً على نحو يجمع بين نقيضين. فواشنطن لا تتوقف عن التلويح بخيارات "قاسية" إذا تجاوزت طهران حدوداً معينة، لكنها في الوقت نفسه تُبقي باب "الدبلوماسية" مفتوحاً، وتسمح بتسريبات توحي بأن الضربة ليست وشيكة أو أن هناك مساحة زمنية للتهدئة.
هذا التذبذب لا يُقرأ، وفق مصادر متابعة في واشنطن، كارتباك في القرار بقدر ما يُقرأ كجزء من إدارة الحرب النفسية، عبر الإبقاء على إيران في حالة توتر غير محسوم، لا تصل إلى تعبئة قصوى، ولا تنخفض إلى مستوى الاطمئنان.
ما يعزز هذا الانطباع أن التحوط العسكري الأمريكي في المنطقة لا يتصرف بعقلية "إلغاء الضربة"، بل بعقلية من ينتظر ارتداداتها. فقد تداولت تقارير غربية مؤشرات على إجراءات احترازية تشمل إعادة تموضع وتحذيرات أمنية وإخلاءات جزئية لعناصر أمريكية في نقاط حساسة، وهي عادة خطوات تُتخذ عندما تكون احتمالات التصعيد مرتفعة، أو عندما تكون القيادة العسكرية مقتنعة بأن الرد الإيراني سيكون موجعاً ويطال مصالح متعددة. في مثل هذه الحالات، لا يصبح الهدف منع الحرب بقدر ما يصبح احتواء ما بعدها.
إسرائيل.. تهيئة لساعات ثقيلة
في إسرائيل أيضاً، تبدو الصورة أكثر وضوحاً إذا جرى النظر إليها بعيداً عن التصريحات السياسية. فبينما تُضخ رسائل عن "تأجيل" أو "إعادة تقييم" أو "انتظار"، تتصرف تل أبيب كمن يتهيأ لساعات ثقيلة، من خلال رفع جاهزية منظومات الدفاع، تدريبات على سيناريوهات وابل صاروخي، تعزيز منظومات الإنذار والاعتراض، وتكثيف الرسائل الإعلامية التي تهيئ الداخل لفكرة أن الضربة قد تأتي في أي لحظة، وأن الرد الإيراني قد يكون واسعاً.
هذا المشهد ليس جديداً، وفقاً لوسائل إعلام إسرائيلية، بل يشبه إلى حد كبير ما سبق هجوم يونيو / حزيران 2025. يومها، لم تكن تل أبيب تحضّر الطائرات والذخائر فحسب، بل كانت تحضّر الرواية أيضاً. تم تضخيم الحديث عن "الخلافات" مع واشنطن، وعن أن البيت الأبيض يمنع إسرائيل من التحرك، فيما خرج ترامب وقتها بتصريحات توحي بأنه يفضّل الحل السياسي. ثم جاءت الضربة وسقطت رواية "غياب التنسيق" دفعة واحدة، لتظهر لاحقاً شهادات وتقارير تؤكد أن الضجيج حول الخلاف كان جزءاً من الخداع، وأن الهدف كان إرخاء الحذر الإيراني وتخفيض الاستنفار قبل الضربة الافتتاحية.
اليوم، يبدو أن المنهج نفسه يعود بنسخة جديدة. فالفكرة لم تعد مجرد إظهار تباعد سياسي كما قبل يونيو/ حزيران، بل بث رسائل متناقضة متتابعة على شكل موجات؛ (هناك ضربة ثم تم تأجيلها، الحرب قادمة ثم جرى تجميدها، واشنطن تريد الحل ثم تلوّح بالقوة). هذا النوع من التناقض لا يهدف إلى إقناع إيران بأن الحرب انتهت، بل إلى دفعها نحو السؤال الأخطر؛ هل تستنفر وتستنزف نفسها، أم تنتظر وتخاطر بالمفاجأة؟
إشارات أكثر عمقاً
في هذا السياق، تلفت تقارير في واشنطن، إلى أن التحرك الاستخباري الإسرائيلي في واشنطن لا يبدو روتينياً، بل يحمل إشارات أكثر عمقاً. فالمعلومات التي تسربت عن لقاءات رفيعة، وعن تواصل مباشر بين نتنياهو وترامب، ثم عن تحركات قادة أجهزة باتجاه الولايات المتحدة، جميعها تعكس أن التنسيق لا يدور حول "منع الحرب"، بل حول كيفية إدارة توقيتها وشكلها وحدودها. وفي كواليس هذا النوع من الاجتماعات عادة لا يجري الحديث عن "هل ستقع الضربة؟" بل عن "متى؟ وكيف؟ وما سقف الرد المتوقع؟".
الأكثر دلالة، وفق تقديرات سياسية في المنطقة، أن فكرة "التأجيل" بحد ذاتها قد تكون جزءاً من الاستعداد لضربة لا يمكن تحمل ارتداداتها بشكل فجائي. فإذا كانت إسرائيل تتوقع رداً إيرانياً كبيراً، فهي ستكون بحاجة إلى أيام إضافية لضبط الجبهة الداخلية، وإعادة توزيع منظومات الاعتراض، وتحضير سيناريوهات الطوارئ، بما يجعل التأجيل ليس إلغاء بل تهيئة أفضل.
إيران.. أكثر حذراً
على الضفة الإيرانية، تبدو طهران أكثر حذراً مما كانت عليه قبل الحرب السابقة. يقول مراقبون للملف الإيراني، إن المؤسسة الأمنية الإيرانية لم تعد ترى في "الضجيج السياسي" مؤشراً على تراجع الخطر، بل ترى فيه احتمالاً أكبر لعملية تمويه. وقد أصبحت الحساسية تجاه التسريبات و"الإشارات الرمادية" أعلى، لأن التجربة السابقة أثبتت أن التباينات المعلنة بين واشنطن وتل أبيب قد تكون مجرد واجهة لإرخاء التأهب وتخفيف الإجراءات قبل لحظة الانقضاض.
لكن إيران تواجه معضلة ثقيلة، وفقاً لتقارير غربية، ذلك أن التعبئة الكاملة لفترة طويلة مكلفة سياسياً واقتصادياً، كما أنها قد تخلق حالة إنهاك داخلي وتوتر اجتماعي، بينما تخفيض التأهب يمنح الخصم فرصة ذهبية لتكرار ضربة الافتتاح التي تفكك الرصد والإنذار وتشلّ قدرة الاستجابة السريعة. وفي هذه المنطقة الرمادية تماماً تعمل خطة "التنويم"، من خلال إبقاء إيران بين حدين، لا تستقر على قرار واحد، ولا تملك رفاهية اليقين.
وتزداد هذه المعضلة تعقيداً مع اتساع التوتر الداخلي في إيران، إذ تنظر تل أبيب إلى أي اضطراب اجتماعي على أنه نافذة مناسبة لزيادة الضغط المركب، من خلال الضغط النفسي في الداخل، والضغط الاستخباري في الخارج، ورسائل تقول للشعب الإيراني إن الحرب قد تكون "خلاصاً"، بينما تُبقي النظام منشغلاً بين الأمن الداخلي واحتمالات الضربة الخارجية.
مرحلة "التمهيد الصامت"
وفقاً لقراءات عديدة في إيران وخارجها، لا تُظهر الوقائع أن المنطقة تتجه نحو تهدئة فعلية، بل نحو مرحلة أكثر خطورة من مراحل ما قبل الحرب؛ مرحلة التمهيد الصامت. فحين تتحرك المؤشرات العسكرية ويصبح التنسيق الاستخباري علنياً بهذا الشكل، وتظهر التسريبات المتلاحقة عن لقاءات وتحوطات واستنفارات، يصبح "تأجيل الضربة" أقل شبهاً بالانسحاب وأكثر شبهاً بإعادة التموضع قبل الضربة الكبرى.
وبينما تحاول واشنطن وتل أبيب تقديم المشهد وكأن الحرب ليست وشيكة، فإن تقارير مراكز بحثية، ومراقبين للمشهد، يرون أن سلوكهما يوحي بعكس ذلك تماماً؛ الاستعداد جارٍ، القنوات مفتوحة، بنك الأهداف يتشكل، والرسائل المتناقضة ليست دليلاً على تراجع القرار، بل على أن القرار اتُّخذ، وأن ما يجري الآن هو فقط عملية خداع إضافية لخفض انتباه الخصم قبل ساعة الصفر.