أثارت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول رغبته في السيطرة على غرينلاند قلقًا عميقًا في العواصم الأوروبية، ليس بسبب احتمالية غزو عسكري مباشر، بل لأن الخبراء يحذرون من سيناريو أكثر دقة وخطورة، يتمثل في استخدام "الإكراه الرمادي" الذي قد يعيد رسم خريطة القوى في القطب الشمالي.
نقلت صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية عن مسؤولين أوروبيين قولهم: إن التهديد الحقيقي لا يكمن في احتلال عسكري تقليدي، بل في إستراتيجية ضغط متعددة الأبعاد قد تشمل عقوبات اقتصادية، وابتزازًا سياسيًّا، وحصارًا دبلوماسيًّا. ووفقًا للصحيفة، فإن هذا السيناريو "الرمادي" يقع في منطقة وسطى بين السلام والحرب؛ ما يجعل الرد الأوروبي عليه معقدًا للغاية.
يقول البروفيسور مارك كانديان، من مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية في واشنطن، في تصريحات لصحيفة "واشنطن بوست" إن "الإكراه الاقتصادي أصبح السلاح المفضل في صراعات القرن الحادي والعشرين. يمكن لإدارة ترامب أن تفرض تعريفات جمركية عقابية على الدنمارك، أو تهدد بسحب الدعم الأمني، أو تقطع التعاون في مجالات حيوية".
الذاكرة الأوروبية لا تزال حية بشأن كيفية استخدام روسيا لتكتيكات مماثلة في أوكرانيا قبل الحرب الكاملة عام 2022، حيث نقلت صحيفة "لوموند" الفرنسية عن الخبير الإستراتيجي جان-لوب سامون قوله: "ما نخشاه هو نموذج هجين يجمع بين الضغط الاقتصادي، والحرب الإعلامية، وتقويض المؤسسات المحلية تدريجيًّا حتى تصبح المقاومة مكلفة جدًّا".
وأضاف سامون "غرينلاند، مع 57 ألف نسمة فقط واقتصاد يعتمد على الدعم الدنماركي، ستكون عرضة بشكل خاص لهذا النوع من الضغوط. الولايات المتحدة تستطيع أن تعرض حوافز اقتصادية ضخمة للسكان المحليين، أو تهدد بفرض عزلة دبلوماسية على الدنمارك".
وفقًا لتحليل نشرته صحيفة "دير شبيغل" الألمانية، فإن الولايات المتحدة تملك بضع أدوات ضغط قوية: يمكنها تهديد التجارة الدنماركية عبر فرض رسوم جمركية باهظة، أو إعادة النظر في التزاماتها الأمنية ضمن حلف الناتو، أو تقديم حوافز اقتصادية مباشرة لسكان غرينلاند لدعم الانفصال عن الدنمارك.
تقول الدكتورة ريبيكا بورتر، الخبيرة في شؤون القطب الشمالي بجامعة كوبنهاغن، في حوار مع "بوليتيكو" الأوروبية إن "السيناريو الأكثر واقعية هو أن تبدأ واشنطن بتقديم استثمارات ضخمة في البنية التحتية لغرينلاند، مصحوبة بضغوط على كوبنهاغن للتخلي عن سيادتها تدريجيًّا. هذا النوع من الإكراه الناعم قد يكون أكثر فاعلية من أي عمل عسكري".
المشكلة، كما يشير محللون في صحيفة "ذا غارديان" البريطانية، هي أن الاتحاد الأوروبي يفتقر إلى آليات واضحة للرد على مثل هذه التكتيكات الهجينة من حليف نظريًّا، يقول سفير الولايات المتحدة السابق لدى حلف الناتو إيفو دالدر: "كيف ترد أوروبا على ضغوط اقتصادية أمريكية دون تصعيد الأزمة إلى صِدام كامل؟ هذه منطقة رمادية لم نطور بعد إستراتيجيات فعالة للتعامل معها".
الاتحاد الأوروبي أعلن دعمه "الكامل" للدنمارك، لكن صحيفة "نيويورك تايمز" نقلت عن مسؤول أوروبي رفيع المستوى قوله: "الدعم اللفظي شيء، والاستعداد لمواجهة عقوبات اقتصادية أمريكية شيء آخر تمامًا. اقتصاداتنا مترابطة بعمق مع الولايات المتحدة".
ما يزيد القلق الأوروبي هو الأبعاد الإستراتيجية للملف. غرينلاند تحتل موقعًا حاسمًا بين أمريكا الشمالية وأوروبا، وتحوي موارد طبيعية هائلة من المعادن النادرة الضرورية للتكنولوجيا الحديثة. السيطرة عليها، حتى بشكل غير مباشر، ستمنح واشنطن نفوذًا هائلًا في القطب الشمالي في مواجهة روسيا والصين.
الخلاصة التي يجمع عليها الخبراء في الصحف الأوروبية والأمريكية: العالم قد يشهد نموذجًا جديدًا من الصراعات حيث الإكراه الاقتصادي والسياسي يحل محل الدبابات، وحيث الحلفاء التقليديون قد يجدون أنفسهم في مواجهة بعضهم دون إطلاق رصاصة واحدة.