logo
العالم

"جغرافيا الردع".. كيف تفوّق مضيق هرمز على السلاح النووي؟

محطة بوشهر النووية في إيرانالمصدر: أ ف ب

أفادت صحيفة "نيويورك تايمز" بأن الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران لم تُنتج فقط توازنات عسكرية جديدة، بل أعادت تعريف مفهوم الردع ذاته، حيث برزت الجغرافيا كأداة إستراتيجية موازية، وربما بديلة، للقدرات النووية. 

وبحسب ما ذكرت الصحيفة، فإن قدرة طهران على التحكم بمضيق مضيق هرمز، الذي تمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية، تمثل اليوم إحدى أكثر أوراق الضغط تأثيرًا في معادلة الصراع.

الجغرافيا تعيد تشكيل الردع

لم تُترجم الضربات الأمريكية–الإسرائيلية، التي استهدفت مواقع نووية ومنشآت عسكرية وبنى تحتية للصواريخ، إلى تقليص فعلي لقدرة إيران على تهديد الملاحة في المضيق. ويعكس هذا التباين بين حجم الاستهداف العسكري ونتائجه العملية، وفق الصحيفة، حدود القوة الصلبة عندما تصطدم بعامل جغرافي لا يمكن تغييره.

وفي هذا السياق، نقلت "نيويورك تايمز" عن داني سيترينوفتش، الباحث في المجلس الأطلسي، قوله إن "أي صراع مستقبلي سيضع إغلاق المضيق في مقدمة الخيارات الإيرانية"، مضيفًا أن "الجغرافيا لا يمكن هزيمتها". ويؤكد هذا الطرح التحول في العقيدة الدفاعية الإيرانية، من الاعتماد على الردع التقليدي إلى توظيف الموقع الجغرافي كأداة ضغط مستدامة.

أخبار ذات صلة

سفن تجارية تبحر في مضيق هرمز

من ورقة ضغط إلى خاصرة رخوة.. مضيق هرمز ينقلب على طهران

تباين داخلي واستخدام تفاوضي

في موازاة ذلك، أشارت الصحيفة إلى تباين واضح داخل إيران بشأن إدارة المضيق، حيث أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن الممر "مفتوح بالكامل"، في حين صدرت إشارات مماثلة من الدبلوماسية الإيرانية، قبل أن يؤكد الحرس الثوري استمرار إغلاقه.

هذا التضارب، كما ذكرت "نيويورك تايمز"، لا يشير فقط إلى اختلاف في التقديرات، بل يكشف أيضًا عن استخدام المضيق كورقة تفاوضية في سياق محادثات وقف إطلاق النار. فالإبقاء على حالة "الغموض العملياتي" يمنح طهران هامشًا أوسع للمناورة بين التصعيد والتهدئة.

أدوات تهديد منخفضة الكلفة

لم تعد إيران تعتمد على الألغام البحرية كوسيلة رئيسية لتهديد الملاحة، كما في ثمانينيات القرن الماضي، بل طورت أدوات أكثر مرونة تشمل الطائرات المسيّرة والصواريخ قصيرة المدى.

وتشير تقديرات عسكرية أمريكية، نقلت عنها "نيويورك تايمز"، إلى أن إيران لا تزال تحتفظ بنحو 40% من ترسانتها من الطائرات المسيّرة، إضافة إلى أكثر من 60% من منصات إطلاق الصواريخ، وهي قدرات كافية لفرض تهديد مستمر على السفن التجارية، حتى في ظل وجود قوات بحرية غربية قادرة على اعتراض هذه الهجمات.

وتكمن خطورة هذه الأدوات، بحسب التقرير، في أنها منخفضة الكلفة نسبيًّا مقارنة بالأنظمة التقليدية، لكنها عالية التأثير في بيئة تعتمد على التدفقات المستمرة للطاقة والتجارة.

حصار مضاد يفاقم الكلفة الاقتصادية

ردّت الولايات المتحدة على هذه الإستراتيجية بفرض حصار بحري مضاد، شمل إجبار بعض السفن على العودة إلى موانئ إيرانية بعد عبورها المضيق، في خطوة تعكس تصعيدًا في أدوات الضغط.

وقد أدى هذا الإجراء إلى شلل شبه كامل في التجارة البحرية الإيرانية، التي تمثل نحو 90% من النشاط الاقتصادي، بقيمة تُقدّر بنحو 340 مليون دولار يوميًّا؛ ما يعكس حجم الكلفة الاقتصادية المباشرة للتوترات في المضيق.

ورغم أن طهران اعتبرت هذا الحصار "عملًا عدائيًّا"، فإنها امتنعت حتى الآن عن الرد العسكري المباشر، وهو ما يعكس، وفق الصحيفة، توازنًا دقيقًا بين التصعيد والحفاظ على فرص التهدئة.

نافذة تفاوضية هشة

وفي هذا السياق، ذكرت "نيويورك تايمز" أن الطرفين، رغم التصعيد، يتجنبان الانزلاق إلى مواجهة شاملة، في ظل إدراك متبادل لوجود فرصة لإحياء المسار التفاوضي.

ونقلت عن الأميرال المتقاعد كيفن دونيغان قوله إن "هناك نافذة حقيقية للمفاوضات"، مشيرًا إلى أن هذا الإدراك قد يكون أحد أسباب ضبط النفس النسبي في المرحلة الحالية.

لكن في المقابل، حذَّرت أصوات دولية من أن تجربة استخدام المضيق كأداة ضغط قد تؤسس لنموذج جديد من الردع، قائم على تعطيل البنية التحتية العالمية بدلًا من استهداف الخصم مباشرة. 

أخبار ذات صلة

الناطق باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي

إيران للأوروبيين: انتهى زمن "العبور غير المشروط" عبر مضيق هرمز

ما بعد الحرب: ترسيخ نموذج الردع الجغرافي

تشير التقديرات إلى أن إيران نجحت في الحفاظ على جزء كبير من قدراتها العسكرية، بما في ذلك إمكانية استعادة ما يصل إلى 70% من مخزونها الصاروخي بعد استخراج المعدات المدفونة في المخابئ.

كما أن مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي في بداية الحرب قد يدفع نحو إعادة صياغة إستراتيجية الردع، مع تركيز أكبر على أدوات غير تقليدية، وعلى رأسها التحكم بالممرات البحرية الحيوية.

هذا التحول يعكس، وفق "نيويورك تايمز"، إدراكًا إيرانيًّا بأن المواجهة المباشرة مع القوى الكبرى مكلفة، في حين أن استخدام الجغرافيا يوفر وسيلة أقل كلفة وأكثر استدامة للضغط.

إعادة تسعير المخاطر في الاقتصاد العالمي

في المحصلة، تخلُص الصحيفة إلى أن ما يجري في مضيق هرمز لا يقتصر على كونه أزمة إقليمية، بل يمثل تحولًا هيكليًّا في طريقة تسعير المخاطر في الاقتصاد العالمي. فالمضيق، الذي كان يُنظر إليه تقليديًّا كممر لوجستي، أصبح اليوم عنصرًا فاعلًا في معادلة الأمن الاقتصادي، حيث تؤدي أي إشارة إلى تعطيله إلى تقلبات فورية في أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد.

وبذلك، فإن الجغرافيا، وليس فقط السلاح، تفرض نفسها كعامل حاسم في رسم ملامح المرحلة المقبلة، في وقت تعيد فيه الأسواق والدول والشركات تقييم إستراتيجياتها على أساس بيئة أكثر هشاشة وتقلبًا.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC