أكد خبراء أمنيون ومختصون في شؤون الشرق الأوسط، أن المناورات التي تقوم بها إيران، وسط الاحتجاجات الشعبية المتصاعدة في الداخل، تشكّل رسالة سياسية وعسكرية موجّهة بالدرجة الأولى إلى إسرائيل والولايات المتحدة.
وأشاروا إلى تصاعد الخطاب حول خيارات عسكرية محتملة، سواء على شكل ضربات محدودة أو عمليات نوعية تستهدف بنية إيران العسكرية والنووية، وصولًا إلى الحديث عن إسقاط النظام في طهران.
وبينوا في تصريحات لـ"إرم نيوز"، أن إيران توظف هذا الاستعراض العسكري كأداة لشدّ العصب الداخلي، وإظهار تماسك الدولة ومؤسساتها السيادية، لا سيما المؤسسة العسكرية باعتبارها الضامن الأخير للاستقرار، وتسعى في الوقت ذاته، إلى التأكيد على جاهزيتها وقدرتها على امتصاص أي ضربة محتملة والرد عليها، بما يرفع كلفة اتخاذ قرار المواجهة لدى الخصوم.
يأتي ذلك في الوقت الذي أفادت فيه تقارير إيرانية يوم الاثنين، بأن "الحرس الثوري" أجرى مناورات صاروخية دفاعية، في عدة مناطق بينها العاصمة طهران ومدينة شيراز، بالتوازي مع الاحتجاجات العارمة التي تشهدها البلاد، في ظل سماع أصوات انفجارات صادرة على ما يبدو عن أنظمة الدفاع الجوي، وسط حديث عن تجارب صاروخية تجريها إيران خلال الليل.
وكانت تقارير إسرائيلية قد أفادت مؤخرا بأن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو وافق على خطة الهجوم الجديدة على إيران، التي سيطلق عليها "الضربة الحديدية"، ليعقب ذلك تأكيد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن بلاده تتابع عن كثب الوضع في إيران، مؤكداً أن طهران إذا واصلت قتل المتظاهرين، فسوف تتلقى "ضربة قوية".
ورصدت مواقع مراقبة جوية وصول طائرات نقل عسكرية أمريكية من طراز C-17 III إلى قواعد جوية بريطانية، في حركة وصفت بأنها غير عادية وتذكر بالتحضيرات التي سبقت الضربات الأمريكية-الإسرائيلية على إيران في يونيو/حزيران 2025.
ويؤكد الخبير في الشؤون الأمنية، الدكتور عبد الرحمن مكاوي، أن الأوضاع الداخلية في إيران تسير نحو الانفجار خاصة بعد تحرك "بازار طهران" في ظل غضب من الانفتاح الفوضوي نحو الصين، لاسيما أنه أهم مكون في النسيج الاقتصادي الاجتماعي وكان أيضا إحدى الأدوات التي أسقطت نظام الشاه عام 1979 إلى جانب الطلبة والفلاحين.
وذكر مكاوي في تصريحات لـ"إرم نيوز"، أن التحرك القائم قد يساعد في سقوط النظام في طهران دون تدخل واشنطن أو تل أبيب، ولكن إذا ما قامت السلطات الإيرانية بإطلاق الرصاص على المتظاهرين السلميين المطالبين بسقوط المرشد وأجهزة الحرس الثوري، فسيكون هناك تدخل أمريكي إسرائيلي.
وأشار إلى ما لواشنطن وتل أبيب من معلومات عبر حضور استخباراتي، مما يجعلهما قادرتين على شن هجوم كاسح هذه المرة وقد يصلا حينئذ إلى رأس السلطة الدينية والسياسية والعسكرية، وهو المرشد علي خامنئي ومن يحيط به.
وأفاد مكاوي بأن المناورات الإيرانية التي أجريت مؤخرا، تأتي استعدادا لواشنطن وتل أبيب القريبتين من إيران بشكل عسكري متنوع جوا وبحرا ومن مواقع مهمة، سواء من أذربيجان وبعض دول آسيا الوسطى، إذ لديهما قدرة على تغيير الموقف، بما هو أكبر من حرب الـ12 يوما، بهجوم قد يكون مصاحبا بتدخل إنساني لإنقاذ المدنيين من الإبادة خلال التظاهرات.
ولفت مكاوي إلى أن المؤشرات كافة تدل على أن النظام في طهران، يحاول إدارة الأزمة الداخلية بالكثير من الحكمة حتى لا تتوفر الذريعة للتدخل الأمريكي الذي أشار إليه ترامب الأسبوع الماضي، وذلك بالتزامن مع الوضع المتأزم في ظل ما حققته واشنطن وتل أبيب من قطع أذرع إيران في الشرق الأوسط، سواء في العراق أم لبنان أم اليمن، وبالتالي باتت المنطقة مقبلة على تطورات خطيرة في 2026.
بدوره، يقول الباحث في شؤون الشرق الأوسط، محمد هويدي، إن إيران اليوم تقف في قلب العاصفة، سواء على الصعيد الداخلي أو الخارجي، في ظل تحديات كبيرة ومتشابكة.
وأوضح أن المناورات العسكرية الإيرانية التي أُجريت مؤخرًا تأتي ضمن إطار مركّب يجمع بين اعتبارات الردع الخارجي وإدارة التحديات الداخلية، لاسيما أنه لا يمكن قراءة أي حدث عسكري تقني بمعزل عن السياق الإقليمي المحيط به.
وذكر هويدي في تصريحات لـ"إرم نيوز"، أن هذه المناورات تشكّل رسالة سياسية وعسكرية موجّهة بالدرجة الأولى إلى إسرائيل والولايات المتحدة، خاصة مع تصاعد الخطاب حول خيارات عسكرية محتملة، سواء على شكل ضربات محدودة أو عمليات نوعية تستهدف بنيتها العسكرية والنووية، وصولًا إلى الحديث عن إسقاط النظام في إيران.
وقال: بناءً على ذلك، تسعى طهران إلى التأكيد على جاهزيتها وقدرتها على امتصاص أي ضربة محتملة والرد عليها، بما يرفع كلفة اتخاذ قرار المواجهة لدى الخصوم.
وأشار هويدي إلى أن الاستعدادات والتجهيزات العسكرية الإيرانية بدأت فعليًا بعد انتهاء حرب الـ12 يوما، وفي إطار أن البعد الداخلي لا يقل أهمية عن الخارجي.
وأضاف: تأتي هذه المناورات في وقت تشهد فيه طهران ضغوطًا اقتصادية خانقة، وتوترات اجتماعية، واندلاع تظاهرات في بعض المناطق، ما يدفع القيادة الإيرانية إلى توظيف الاستعراض العسكري كأداة لشدّ العصب الداخلي، وإظهار تماسك الدولة ومؤسساتها السيادية، ولا سيما المؤسسة العسكرية باعتبارها الضامن الأخير للاستقرار.
وبيّن هويدي أن هذه التحركات تحمل رسالة ضمنية مفادها أن النظام القائم في إيران لا يزال يمتلك أدوات السيطرة والردع، ورغم التحديات التي يعاني منها، فإنه قادر على إدارة الصراع مع إسرائيل والولايات المتحدة، وكذلك مواجهة التحديات الداخلية.
وأشار هويدي إلى أن هذه المناورات تندرج ضمن عقيدة عسكرية إيرانية قائمة على الردع غير المتكافئ، حيث لا تركّز طهران فقط على القوة التقليدية، بل تعتمد على مزيج من القدرات الصاروخية، وأنظمة الدفاع الجوي، وحرب المسيّرات.
واستكمل أن الهدف من هذه المناورات لا يقتصر على الإعلان أو الاستعراض، بل يتجاوز ذلك إلى تعزيز الموقع التفاوضي لإيران، وإعادة رسم خطوط حمراء واضحة أمام أي تصعيد محتمل.
وخلص هويدي إلى القول إن المناورات الأخيرة تمثل خطوة استباقية تسعى طهران من خلالها إلى إدارة المخاطر وردع الخصوم، دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة، مع استخدام القوة العسكرية كأداة سياسية بقدر ما هي أداة قتالية من جهة، ومن جهة أخرى، مواجهة تحديات كبرى تطال إيران داخليًا وخارجيًا، وفي الوقت نفسه الإعلان عن الاستعداد لأي مفاجآت مقبلة، سواء كانت ضربات إسرائيلية محدودة أو حربًا شاملة.